تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وموضع نجوى لا يرام اطلاعها

يطلون شتى في البلاد وسرهم

إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها

يماثل ما يضعه الفلاسفة في الآداب الفردية.

ويمكننا أن نعد المدح والهجاء من علم الأخلاق، لأن المدح في الغالب تصوير للفضائل، والذم تمثيل للرذائل، ووصف الفضائل والرذائل مما يعنى به علم الأخلاق.

فقول قعنب بن ضمرة:

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا

عني وما سمعوا من صالح دفنوا

صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به

وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا

جهلا علينا وجبنا عن عدوهم

لبئست الخلتان الجهل والجبن

هذا هجاء، ولكن فيه تصويرا لبعض الصفات الذميمة التي يعنى بحربها علم الأخلاق.

وقول حسان بن ثابت:

أصون عرضي بمالي لا أدنسه

لا بارك الله بعد العرض في المال

أحتال للمال إن أودى فأجمعه

ولست للعرض إن أودى بمحتال

هذا فخر، ولكن فيه تصوير لفضيلة من كرائم الفضائل الإنسانية.

ولا تنس الحكم التي فاضت بها النفوس العربية، فأي كلام أكرم وأمتع من قول وابصة الأسدي:

أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه

كأن به عن كل فاحشة وقرا

سليم دواعي الصدر لا باسطا أذى

ولا مانعا خيرا ولا قاتلا هجرا

إذا شئت أن تدعي كريما مكرما

أديبا ظريفا عاقلا ماجدا حرا

إذا ما أتت من صاحب لك زلة

فكن أنت محتالا لزلته عذرا

غنى النفس ما يكفيك من سد خلة

فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا

والقرآن؟

في القرآن تحليل دقيق لنزعات النفوس، وخلجات القلوب، وفيه حل لأكثر المشاكل الأخلاقية التي شقي في حلها الحكماء؛ ففيه أدب الرجل مع ربه، ومع نفسه، ومع زوجه، ومع آبائه، ومع أبنائه، ومع إخوانه، ومع أصدقائه، ومع أعدائه، ويندر أن تجد مشكلة خلقية لم يعن بحلها القرآن. وفي الحديث توضيح وتتميم لما في الكتاب العزيز، ويكفي أن تنظر فيما يخص الأدب من كتب السنة لتعرف صدق ما نقول.

وبعدما جاء في خطب العرب وشعرها، وما جاء في القرآن والحديث، وضعت كتب خاصة للسير والسلوك، من أقدمها كليلة ودمنة، الذي ترجمه ابن المقفع عن الفارسية، وقفاه بكتابيه الأدب الكبير والأدب الصغير، ووضعت أبواب مطولة في كتب الفقه عن آداب الزواج، ومعاملة الرقيق، ومعاملة المحاربين، وما إلى ذلك مما يهتم به الناس في الحرب والسلم، ويبنى عليه الاجتماع.

لم كانت المقامات والخطب المنبرية، التي أودعها الأدباء والمصلحون آراءهم في تهذيب النفوس، وتلطيف الطبائع.

كل ما قدمته كان ينبوعا صافيا ينهل منه الغزالي ويعمل وهو يضع مؤلفاته في الأخلاق، وقد تبينت أحكامه، فرأيته لا يضع حكما إلا وقد اقتبسه من حكمة، أو مثل، أو بيت من الشعر، أو آية، أو حديث، أو أثر، إلى غير ذلك مما قرأه بنفسه أو سمعه من أساتذته، ولقد حاولت أن أرجح كل حكم لأصله، ولكني رأيت في ذلك منافاة للإيجاز، وهو شرط هذا الكتاب.

على أن الغزالي مع ترسمه لما سبقه من الآثار الأدبية لم يخل من حرية الفكر، والميل إلى التجديد، فقد خرج على الأشعري في بعض آرائه، وخالف الشافعية في بعض ما يقولون به، ولكنه على كل حال يساير المتقدمين، ولا يخالفهم - حين يخالفهم - إلا برفق واحتياط، كما يفعل الحذر الهيوب.

الفصل الأول

| المصادر الفلسفية

درس الغزالي الفلسفة، ولكنه درسها بنية سيئة، درسها ليسبر غورها، ثم ينشر مساوئها في العالمين!

وقد درسها بنفسه، ولم يتتلمذ لأستاذ، فكان ذلك داعية لهذا البغض العميق، الذي جعله ينسى الفلاسفة، ولم يذكرهم إلا بسوء في كتبه الأخلاقية، ولو أنه تلقاها على أستاذ تلقي الفقه والتصوف والتوحيد، لرجونا أن تخف حدته كلما وجد الفرصة سانحة ليسلق الفلاسفة بلسان حديد.

1

ذلك بأن الأساتذة ينتصرون لعلومهم، ويؤثرون في تلامذتهم أثرا غير قليل، وأثر المتصوفة من أساتذة الغزالي واضح كل الوضوح فيما صبغت به آراؤه الدينية والأخلاقية.

ولكن هل نجا الغزالي من محاكاة الفلاسفة حين كتب في الأخلاق؟ وإن نظرة في تقسيم الفضائل، وطرائق كسبها، وتنويع الرذائل، ووسائل الخلاص منها، لترينا مبلغ محاكاته للفلاسفة الذين كتبوا في الأخلاق، والآداب الاجتماعية.

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٢١