وهذه بالطبع خرافة لفقهاء المتصوفة بعد موت الغزالي، وهي في ذاتها على أن الغزالي لم يمت إلا بعد أن اتفق العامة على صلاحه، فقد رمي بالزندقة في جزء من حياته، ثم عاد في نظر العامة من المكاشفين، حتى ليذكرون أنه أنشأ عند موته هذه القصيدة:
قل لإخوان رأوني ميتا
فبكوني ورثوني حزنا
أعلى الغائب منا حزنكم
أم على الحاضر معكم ههنا
أتخالوني بأني ميتكم
ليس ذاك الميت والله أنا
أنا في الصدر وهذا بدني
كان جسمي وقميصي زمنا
وهي طويلة تجدها ضمن مجموعة مخطوطة نمرة 121 تصوف بدار الكتب المصرية. وهي كذلك مما لفقه أصحابه بعد موته، وما أكثر ما زور باسمه من الآثار!!
ونقل ابن الجوزي في «كتاب الثبات عند الممات» عن أحمد أخي الغزالي أنه قال: «ولما كان يوم الاثنين وقت الصبح توضأ أخي أبو حامد وصلى، وقال علي بالكفن، فأخذه وقبله ووضعه على عينيه، وقال: سمعا وطاعة للدخول على الملك، ثم مد رجليه واستقبل القبلة، ومات قبل الإسفار.»
وسبحان من تفرد بالبقاء.
وقد رثاه الأبيوردي بقوله:
بكى على حجة الإسلام حين ثوى
من كل حي عظيم القدر أشرفه
فما لمن يمتري في الله عبرته
على أبي حامد لاح يعنفه
تلك الرذيلة تستوهي قوى جلدي
فالطرف تسهره والدمع تنزفه
فما له خلة في الزهد منكرة
وما له شبهة في العلم تعرفه
مضى، وأعظم مفقود فجعت به
من لا نظير له في الناس يخلفه
وقال في رثائه القاضي عبد الملك المعافى:
بكيت بعيني ثاكل القلب واله
فتى لم يوال الحق من لم يواله
وسيبت دمعا طالما قد حبسته
وقلت لجفني واله ثم واله
ونحن - في جملة من انتفع بمؤلفات الغزالي - نسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة، وأن يجزيه أحسن الجزاء على ما قدم في سبيل العلم والدين من صادق الجهود، وأن يتجاوز عن سيئاته بمنه وكرمه إنه نعم المولى ونعم النصير، وهو بالمؤمنين رءوف رحيم.
الباب الثالث
| في المنابع التي استقى منها الغزالي
| تمهيد
يذكر مؤرخو الفلسفة أن سقراط هو أول من بدأ بالتفكير في الإنسان وما يتعلق به، وأنه أول من قال: اعرف نفسك بنفسك. ولعلهم يريدون أنه أول من بحث في الإنسان بحثا منظما من حيث واجبه نحو نفسه، ونحو شركائه في الاجتماع، على أن يكون ذلك علما ذا قواعد وأصول.
أما البحث في أن بعض الأعمال شر، وبعضها خير، وشيء منها نافع، وشيء منها ضار، فهو قديم سبق سقراط بأجيال.
فالأمة العربية التي ورث الغزالي وورث أساتذته آدابها القديمة، كانت تقول الشعر والنثر في تهذيب الأخلاق، فمن الواضح أن قول بعض الأعراب في وصية ابنه «المنية ولا الدنية» فيه ضرب من التهذيب الفردي، وقول أحدهم في حض الجيش على صدق اللقاء «الطعن في النحور أكرم من الطعن في الظهور» فيه نوع من تقديم المحاربين، لأن الأخلاق لا تعرف موطنا بعينه، وإنما تتبع الرجل في كل حال.
وكذلك قول أكثم بن صيفي: «العقل راقد، والهوى يقظان، والشهوات مطلقة، والحزم معقول. والمستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل. أصبح عند رأس الأمر أحب إلي من أن أصبح عند ذنبه. لم يهلك من مالك ما وعظك. نفاذ الرأي في الحرب أجدى من الطعن والضرب. التقدم قبل التندم. ويل لعالم أمر من جاهله. يتشابه الأمر إذا أقبل، فإذا أدبر عرفه الكيس والأحمق.» في هذه الكلمات كثير من الآداب الاجتماعية، وهي جزء من علم الأخلاق.
ونجد شعراء الجاهلية والإسلام ضربوا بسهم في معرفة الطبائع البشرية، فنرى في شعرهم شيئا عن أثر الوراثة، وأثر الرفقة، وأثر الجوار، إلى غير ذلك من المعاني التي بسطها الفلاسفة حين تكملوا في الأخلاق. فقول ذي الأصبع العدواني:
كل امرئ صائر يوما لشيمته
وإن تخلق أخلاقا إلى حين
يماثل بعض المذاهب الأخلاقية.
وقول مسكين الدارمي:
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم
على سر بعض غير أني جماعها
لكل امرئ شعب من القلب فارغ