Chyma
التي تعني سبك وصهر المعادن، أو ما ذكره حاجي خليفة في «كشف الظنون» عن الصفدي في شرحه للامية العجم من أن اللفظ مشتق من اللفظ العبراني «كيم إيه» أي من عند الله، أو تفسير أبي عبد الله يوسف الخوارزمي في «مفاتيح العلوم»، وهو أن لفظ الكيمياء عربي أصيل مشتق من الفعل كمى يكمي، ويقال كمى الشهادة؛ أي أخفاها وسترها، نظرا لأن هذا العلم كان محاطا بالسرية والكتمان، على أن العرب أطلقوا على هذا العلم أسماء أخرى بخلاف الخيمياء والكيمياء، منها: «علم الصنعة، صنعة الإكسير، الحكمة، علم الحجر، علم التدبير، علم الميزان»، بعض هذه الأسماء راجع إلى طبيعة الموضوع، أو إلى منهج البحث، أو إلى الغرض المستهدف.
9
بيد أن عبد الرحمن بن خلدون - العلم البارز في تاريخ الحضارة الإسلامية، وفي التأريخ لها - أسمى الكيمياء في مقدمته الشهيرة «علم جابر». •••
إذن فجابر بن حيان الأزدي الطوسي في القرن الثاني الهجري هو الإمام الأكبر والعلم الذي خرجت من رحابه كل كيمياء العرب، وكل كيمياء العصور الوسطى، تحمل كيمياؤه تعثر البداية ووعورة شقها للطريق، وفي الآن نفسه زخم التأثيرات المحورية والامتدادات المستقبلية، وفي خضم هذا وذاك نحاول استكشاف بعض من الأبعاد المعرفية التي شكل تلاقيها وتقاطعها هيكل كيمياء جابر.
وليس الأمر يسيرا؛ لأن الأبعاد متقابلة، بقدر ما كانت شخصية جابر نفسه محلا لأقوال متضاربة حتى أنكر بعض مؤرخي الإسلام وجوده، فضلا عن نسبة مصنفاته الكثيرة إليه،
10
وهذا ما رفضه بشدة ابن النديم في الفهرست، قائلا: «إنه من غير المعقول ولا المفيد أن يتعب رجل فاضل قريحته وعقله ويده وجسمه ويخط كتابا ينسبه إلى غيره.» ولئن حدث هذا الإنكار في سياقنا الثقافي، فليس غريبا إذن موقف العالم الفرنسي برتيلو
M. Berthelot (1827-1907) في كتابه «الكيمياء في العصور الوسطى»
La Chimie au moyen age
الصادر عام 1893 في ثلاثة مجلدات؛ إذ ينسب إلى جابر بن حيان كل ابتكارات العرب الكيميائية، ويعتبر كل الكيميائيين من بعده إما ناقلين عنه أو معلقين عليه.
يصدر برتيلو حكمه هذا على الرغم من تحامله على العلم العربي، والذي يصل به إلى درجة تجافي النزاهة العلمية، بل وعلى الرغم من تحامله على جابر نفسه، حتى إنه لا ينسب إليه إلا الغث التافه من مؤلفاته، ويزعم أن الأجزاء الثمينة من وضع عالم لاتيني مجهول، أودع بحوثه كتابا أسماه «المجموعة الكاملة»، ويعد من أفضل إنجازات العصور الوسطى في الكيمياء، وأنه نسبها إلى جابر حتى تتيمن بشهرته الواسعة، فيكون نصيبها الذيوع والانتشار، وهذا نفس ما زعم به مؤرخ الكيمياء بارتنجتون
11
الرد على هذا نفس رد ابن النديم المذكور.
على العموم، فإنه في عام 1923 وفي مقال بمجلة إيزيس الشهيرة بعنوان «فحص نقدي لأعمال برتيلو في الكيمياء العربية»، تكفل العلامة الإنجليزي هولميارد، أستاذ الكيمياء بجامعة كلفتون والمتضلع في اللغة العربية بتبيان خطأ برتيلو وأشياعه بحجج علمية دقيقة ومسهبة، مثبتا أن كتاب «المجموعة الكاملة» منقول عن كتاب لجابر اسمه «الخالص»، وأن جابرا يستحق - عن جدارة - لقب مؤسس علم الكيمياء؛ لأنه كان يفضل العمل في المعمل، عازفا عن التأمل العقيم، وأن رؤاه جلية وأبحاثه منضبطة، جعلت الكيمياء الإسلامية ترتفع لكي تكون علما دقيقا، وأن تطبيقاتها هي التي جعلت أوروبا تبدأ الكيمياء على أساس سليم، بحيث إن كل المعنيين بالكيمياء مدينون بالعرفان لأتباع محمد.
12
لقد ظل تدريس الكيمياء في الجامعات الأوروبية، حتى أوائل القرن الخامس عشر مقصورا على تدريس مؤلفات جابر، قرابة خمسمائة عام.
ولأن العبقرية الناصعة ذات الإنجاز العلمي المحسوب تفرض نفسها على الجميع، مهما كانت الميول والأهواء، نجد جابرا في النهاية رجلا حق عليه القول: «شهد له الأعداء قبل الأصدقاء»، فهذا برتيلو نفسه لا سواه يضطر اضطرارا إلى أن يقول قولته: «لجابر بن حيان في علم الكيمياء، ما لأرسطو من قبله في علم المنطق.» فكما أن أرسطو هو مؤسس علم المنطق، فإن جابرا هو مؤسس علم الكيمياء كنقطة تحول في تراث الإنسانية العلمي. •••