وكان التراث العربي الإسلامي تيارا مستقلا في النظر إلى العالم الطبيعي، استوعب ذينك الطرفين: المادية/المثالية، وتجاوزهما إلى مركب جدلي أشمل، لم يكن محض انتقاء بينهما، أو توفيق لهما مع الشريعة. بل كانت خطوة في طريق تطور الفكر الطبيعي، عرفت كيف تقطعها دون أن تخرج عن إطارها المثالي، وتوجهها اللاهوتي الذي فرضته ظروف العصر.
وأخيرا نرجو لهذا العرض المقتضب أن يكون قد أبان عن مواطن القوة التي خلقت التراث العلمي العربي الزاخر، مثلما أبان عن مواطن الضعف التي تبرر لماذا كان عرضة للتوقف والانحسار بفعل عوامل عديدة داخلية وخارجية.
المبحث الثالث
| الأبعاد المعرفية1 لكيمياء جابر بن حيان
لعل الكيمياء - أعرق المناشط الإمبيريقية للإنسان - فرضت عليه التعامل الحي مع المادة واستجوابها والإنصات لشهادة الحواس بشأنها، واستقراء متغيراتها، منذ أن كان لزاما عليه في العهود السحيقة تدبير احتياجاته العملية من قبيل الزجاج والفخار والأصباغ وتقطير الخمور والعطور والأشكال البدائية للعقاقير والأدوية ... كانت هذه البدايات الخام حرفا عملية بلا أساس نظري، ثم اقتربت الكيمياء من الإطار النظري والمنظومة المعرفية المهوشة طبعا، وبدأ التأليف فيها حين استبد بالإنسان القديم الحلم الجامح بتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب بغية الثراء السريع، وفي سياق الجهد المشبوب والفاشل لتحقيق هذا الحلم تخلف رصيد هائل من المعارف بشأن طبائع المواد وتحولاتها وعمليات هذا التحويل طبعا مشتت ومبعثر، لكنه قطعا السلف التاريخي للكيمياء الحديثة التي خرجت من أعطاف العلم المعني بتحويل المعادن إلى ذهب - علم الخيمياء أو السيمياء
Alchemy .
2
وسوف نعود مجددا لحلم الذهب، لكن لنلاحظ مبدئيا أنه سيطر على الإنسان سيطرة طاغية أكثر كثيرا من كل ما نتصور، حتى إن إسحاق نيوتن ذاته - أمير الفيزياء الحديثة، وربها بغير منازع، وواحد من أعظم العقول العلمية في تاريخ العلم بأسره، ولعله أعظمها جميعا - ثبت أنه قضى وقتا طويلا في دراسة كل ما كتب في الخيمياء، وأجرى تجارب يحاول بها تحويل المعادن إلى ذهب،
3
وطرحت سيرته موضوعا شائكا للباحثين: كيف نوفق بين نيوتن الفيزيائي الرياضي العبقري ونيوتن الخيميائي المتعثر!
4
إن تاريخ العلم ليس سهلا منبسطا.
من المجدي دائما العود إلى الأصول التاريخية، وخلال عقدي الستينيات والسبعينيات أخذ تاريخ الكيمياء القديمة أو الخيمياء يكتسب أهمية متزايدة،
5
حتى أصبحت لغة الخيمياء مبحثا قائما بذاته في إطار الدراسات المتعلقة بتطور اللغة الكيميائية.
6
ومجرد مصطلح الخيمياء الذي أصبح الكيمياء، من أعرق المصطلحات في تاريخ العلم، يعود إلى فجر الحضارة - إلى الفراعنة، إلى أرض مصر - وكما قال بلوتارك: سواد تربتها يشبه سواد إنسان العين، فأسماها المصريون كمي
Chemi Kemt ؛ أي التربة السوداء، ولما عرف الإغريق ذلك العلم أسموه باسم البلد البعيد الذي أتى منه؛ أي خيميا أو كيميا،
7
وكان أول استعمال لهذا المصطلح في مرسوم للإمبراطور دقلديانونس عام 296م يأمر فيه بحرق الكتب المصرية؛ أي الخيمية أو الكيمية، كتب العلم الذي يحيل المعادن ذهبا فيفتن الألباب ويفتح الأبواب للطمع وللدجل. هذا بعد أن أصبحت الكيمياء الفن المصري والفن المقدس المنسوب إلى توت رب الحكمة، وكما هو معروف عبر العناصر الغنوصية أصبح توت هو الإله هرمس المثلث العظمات، وذلك في مدينة الإسكندرية في العصر البطلمي الذي شهد توهج الكيمياء، وشهدت البشرية فيه أول كتابات في هذا الفن المصري المقدس، بخلاف برديات ليدن التي عثر عليها في أحد قبور طيبة. إن الكيمياء كاسم وكمسمى اختراع مصري خالص.
8
وتكاد تتفق الدراسات الحديثة على رد مصطلح خيمياء وكيمياء إلى هذا الأصل الفرعوني كيمي (التربة السوداء) أرض مصر الخصيبة، وليس التفسيرات الأخرى للمصطلح، تجافي إلى الكلمة اليونانية