تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاجتهاد دائما مشروع، والمحاولة ممكنة، وما دمنا في سيرورة حضارتنا بمركزها الوحي/النص فثمة دائما خط استمرارية وتواصلية، ولم تكن الطبيعيات الكلامية أنطولوجية إلا لأن الأنطولوجيا شاهد على الغائب، على العقائد الإلهية، وبالمثل جعل الحكماء - كما رأينا - الطبيعيات متجهة نحو الإلهيات في دائرة مغلقة؛ وفي كل حال كانت الطبيعيات في نظرية الوجود، كوسيلة معرفية للخوض في قضايا إلهية/عقلية.

والآن، متى بدأ الإعلان الغربي الصريح بتحويل الطبيعيات إلى قضية أو إشكالية إبستمولوجية؟ كما هو معروف، بدأ هذا حين أطلق جاليليو (1564-1642) صيحته الشهيرة «كتاب الطبيعة المجيد مكتوب بلغة الرياضيات».

فحين كان العلم الطبيعي الحديث يشق أولى خطواته الغضة في القرنين السادس عشر والسابع عشر لم يكن يتفتح كالزهر، بل كان ينبجس كالدم، وتفاصيل الصراع الدامي بينه وبين السلطة المعرفية التي كانت لا تزال في يد رجال الكنيسة معروفة جيدا، وقد استمد رجال الدين سلطانهم المعرفي، فقط لأنهم أقدر البشر طرا على قراءة وفهم الكتاب المقدس.

ولكي يستطيع رجال العلم احتلال مواقع معرفية، والاستقلال بنشاطهم عن الكنيسة، أصروا على أنهم - هم الآخرون - أقدر البشر طرا على قراءة كتاب آخر لا يقل عن الأناجيل عظمة ودلالة على قدرة الرب وبديع صنعه؛ إنه كتاب الطبيعة المجيد. فأصبح تعبير جاليليو: قراءة كتاب الطبيعة «شائعا آنذاك للدلالة على نشاط العلماء»

21

بقدر ما هو دال على الخروج من العصور الوسطى ودورانها في الكتب المغلقة، إلى العصور الحديثة وانطلاقا في عالم الطبيعة المفتوح، والقطع المعرفي مع المنهج القروسطي الأرسطي العقيم، إلى المنهج التجريبي المثمر الولود.

ومما يحمل دلالة ذات مغزى لموضوعنا أن «قراءة كتاب الطبيعة المجيد» لم تكن محض لافتة ظاهرية مصطنعة لمواجهة رجال الدين، بل استندت على إيمان كان لا يزال قويا، إن نجاح العلم الطبيعي بلغ آنذاك ذروته في إنجلترا التي اكتمل فيها نسق الفيزياء الكلاسيكية على يد إسحاق نيوتن ومواطنيه، حتى يلقب مؤرخو العلم القرن السابع عشر «بعصر انفجار العبقرية الإنجليزية».

22

وليس غريبا أن نجاح حركة الإصلاح الديني واكتمال تحقق البروتستانتية كان أيضا في إنجلترا، وعوامل نجاح الحركتين - الفيزياء الكلاسيكية والإصلاح الديني البروتستانتي - مشترك في الثورة على رجال الدين والسلطة الدينية، وليس على الدين نفسه، بل من أجل الدين، وكما أشار بارومر، اعتقد بيكون مع جهابذة الجمعية الملكية - التي تضم أساطين العلوم الطبيعية - أنهم يدرسون توراة الطبيعة، وأن للعلم روافد دينية جياشة تكشف قدرة الله التي تتجسم في خلائقه. غير أن هذا الاعتقاد لهم يحل دون قيام بيكون بحماية العلم من تداخل اللاهوت.

23

وبهذا نفهم كيف أن جون راي - هو من طليعة الفيزيوكيميائيين في تلك المرحلة - قد أخرج في نهاياتها (عام 1691) كتابا عنوانه: «حكمة الرب كما تتجلى في أفعال الخلق»

Wisdom of God as Manifested in the Works of Creation ، ودع عنك الآن رجل الدين الإنجليزي وليم بالي (1743-1805) الذي أصدر في مرحلة لاحقة - عام 1802 - كتابه «اللاهوت الطبيعي» معتمدا على تحليل العقل كوسيلة لإثبات قضايا الإيمان، وأن الطبيعة خير موصل لله؛ فهذا تيار لاهوتي.

أما في قلب التيار العلمي وحتى نهايات القرن السابع عشر، فقد ظلت العقيدة الدينية الحارة للعلماء - كما يقول باومر - تساهم في دفع حركة العلم حتى نهايات القرن السابع عشر، خصوصا وأن هذه المرحلة المبكرة من تاريخ العلم الحديث سادتها فكرة القانون المفروض على الطبيعة من لدن الرب، ولم يبدأ العلم في الجور على الإيمان الديني لعلماء الطبيعة إلا في القرن التالي، ولم يزعزعه إلا في القرن التاسع عشر، لعل هذا بدوره قد تزعزع هو نفسه مع ثورة العلم المعاصر في القرن العشرين.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٥١