إن التقدمية، وليس العقلانية، هي صلب طبيعة العلم؛ فهذه الأخيرة - أي العقلانية العلمية - تعرضت لتغيرات عاصفة، وظل مفهومها يتبدل مع الانقلابات الثورية وأشكال القطع المعرفي التي شهدها العلم الطبيعي المعاصر، حتى كادت تلك العقلانية العلمية أن تفقد مدلولها المألوف، وينصرف هم جمع من فلاسفة العلم الطبيعي الآن - خصوصا بول فييرابند - في محاولة تحديد المفهوم الجديد المعاصر للعقلانية العلمية.
وعبر مناقشات مقنعة وتحليلات دقيقة ينتهي لاري لوضان إلى ضرورة أن نخطو خطوة ثورية انقلابية، ونجعل العقلانية متعلقة بإمكانية التقدم، بل ومتطفلة عليها، والاختيار العقلاني هو الاختيار التقدمي،
19
فهذا ما تمليه طبيعة العلم الطبيعي.
ومهما تصاعد كفاحنا من أجل خصوصيتنا الأيديولوجية، في مواجهة الآخر الغربي، فلا مناص من اعتبار العلوم الطبيعية المعاصرة هي وحدها الآن مقياس التقدم العلمي ... ذلك لأن هذه الطبيعة التقدمية الدائمة تجعل مقياس العلم يوجد حيث أعلى درجة من تقدمه، أو بالأحرى من إمكانيات تقدمه المتوالي ... وهذه الدرجة في الغرب. العلم الطبيعي في شرق آسيا استمرار لتقدمية العلم الذي قدر له أن ينشأ في الغرب، ولئن تفوقت شرق آسيا على الحضارة الغربية في بعض أشكال التقانة والأبحاث التي تهدف إلى تطوير التقاني، فإنها حتى هذه اللحظة لم تتفوق عليها في العلم البحت، وإن كان من المتوقع أن يحدث هذا في المستقبل القريب. وسواء حدث أو لم يحدث، فإن العلم الطبيعي دائم التقدم، في الشرق أو الغرب، في الشمال أو في الجنوب، نسق واحد ووحيد.
مرة أخرى وأخيرة نقول إنه لا علاقة له بالخصوصيات الأيديولوجية التي يمكن أن تتمثل في برامج تطوير التقانة، الأمن القومي، أولوية الاهتمام بين التخصصات العلمية المختلفة ... لكن لن تختلف طبيعة الضوء الموجبة/الجسيمة باختلاف الأيديولوجيات. لن تضيف فرنسا للموجات أو تدافع اليابان عن الفوتونات، لن تضيف أيديولوجية الصين إحدى الجسيمات للذرة، ولن تحذف عقائد الهند إحدى الترددات الإشعاعية.
تلك التقدمية المتفجرة من بين جنبات العلم الطبيعي الحديث، حيثما كان وأينما كان، هي التي تجعله «شيئا حيا»، وليس البتة نظرية أنطولوجية متكاملة، بل فعالية إنسانية متنامية دوما، وجهاد إبستمولوجي متواصل. كانت همزة الوصل بين الطبيعة والأنطولوجيا تكمن في الفلسفة الطبيعية. وهذه الأخيرة انتهت تماما منذ أن صيغ مصطلح
Science
للدلالة على ذلك النشاط المعرفي الحديث.
لقد تفجرت كل هاتيك التقدمية حين أصبحت الطبيعيات مشكلة إبستمولوجية. وبدلا من الفلسفة الطبيعية، ظهرت أخيرا فلسفة العلم الطبيعي التي هي أولا وأخيرا من فلسفات الإبستمولوجيا، لكنها تقوم في الأيديولوجيا بدور لا تستطيعه الفلسفة الطبيعية البائدة، وكما قيل بحق: «إن فلسفة العلم هي في الآن ذاته فلسفة التحرير، ومن لا يحرر طاقاته بذاته، ولا ينفعل بواقعه، ويتفاعل مع عالمه الحي، فكيف يمكنه أن يكون أكثر من هارب حضارة وحالم ثقافة»
20
حضارة، ثقافة ... أو أيديولوجيا. (3) مستقبل الكلام في الطبيعيات المعرفية
إبستمولوجية الطبيعيات، أو الطبيعيات المعرفية، هي أثمن إيجابيات الحضارة الغربية، الإيجابية المستفادة حقا منها بكل المعايير المثالية والواقعية والأيديولوجية.
وكما انتهينا في الفصل السابق، أسرف تراثنا الفلسفي - الكلام والحكمة على السواء - في جعل الطبيعيات أنطولوجية، حتى بات القطع المعرفي ضروريا لكي نجعلها إبستمولوجية، وتلحق بمسيرة العصر.
فهل يستطيع علم الكلام لكي يشق طريقه نحو المستقبل أن يجعل الطبيعيات مشكلة معرفية، بحيث تكون إبستمولوجية الطبيعيات نابعة من تراثنا وليست مجلوبة من الغرب؟