وإذا سار علم الكلام في هذا الاتجاه لن تعود الروح العلمية غربية غريبة، مجلوبة من الخارج منفصلة عن إطارنا الحضاري الذي يعد الوحي مركزه، وعلينا أن نجد فيه بواعث الموقف الطبيعي وموجهات السلوك العلمي، كالتجريب ونبذ التقليد والدعوة إلى إعمال العقل والتأمل في الطبيعة والسير في الأرض واكتشاف مناكبها ... ودعوة القرآن الدائمة إلى النظر في تصريف الرياح وتعاقب الليل والنهار والسحب والسماء ذات النجوم والكواكب السابحة في فضاء لامتناه.
وكما أشار المجدد الديني الأكبر محمد إقبال، «كان أفلاطون وفيا لتعاليم أستاذه سقراط؛ فقدح في الإدراك الحسي؛ لأن الحس في رأيه يفيد الظن ولا يفيد اليقين. وما أبعد هذا عن تعاليم القرآن الذي يعد السمع والبصر أجل نعم لله على عباده.»
2
وإنه لأمر عظيم حقا أن يوقظ القرآن تلك الروح التجريبية في عصر كان يرفض عالم المرئيات بوصفه قليل الغناء. ولا شك أن أول ما يستهدفه القرآن الكريم من هذه الملاحظة التأملية التجريبية للطبيعة هو أنها تبعث في نفس الإنسان الشعور بالله الذي تعد هذه الطبيعة علامة «العالم» عليه، ولكن ما ينبغي الالتفات إليه أيضا، كما يشير محمد إقبال، هو «الاتجاه التجريبي العام للقرآن»؛
3
مما كون في اتباعه شعورا بتقدير الواقع، جعل منهم حملة لواء المنهج العلمي التجريبي في عصر سؤددهم.
بخلاف تلك الموجهات، نجد أقواها في التنزيه الذي بلغ غايته مع المعتزلة؛ إذ يرى حسن حنفي في لفتة ثاقبة أن التنزيه أقوى بواعث أو موجهات الوحي للعلوم العقلية الخالصة؛ أي الرياضيات والطبيعيات؛ لأن التنزيه يعني أن الله ليس موضوعا للرؤية أو العلم، إنما العلم الإسلامي الشامل موضوعه كلام الله؛ أي الوحي كقصد نحو العالم وكنظام له.
4
العلم بذات الله مستحيل، الممكن معرفة آثاره الطبيعية والاجتماعية، المطلوب ليس البحث عن رؤية الله، بل عن رؤية الطبيعة والعالم.
فلئن كان التشبيه الأشعري هو الذي ساد في تصورنا لله حتى قارب التشخيص، فإن التنزيه الاعتزالي - كما يشير حنفي - هو القادر على تحويل تصورنا لله إلى مبدأ عقلاني شامل، الانتقال من التشبيه إلى التنزيه هو انتقال من الله المشخص إلى الله المبدأ العقلي الشامل، الذي تتوحد أمامه قوى الإنسان الفكرية والقولية والعلمية والوجدانية. وما رآه خصوم التنزيه من «تعطيل» هو في الواقع إيجابية لصالح العلم؛ لأنه يعطي العالم استقلالا، واستقلال ظواهر الطبيعة ضرورة تمليها الروح العلمية.
5
إن الله واجب الوجود، قمة نظرية الوجود، وبالتنزيه يصح مثالا معرفيا، هو المثل الأعلى وغاية الإنسان وموجود كتعال وتجاوز ومفارقة.
التنزيه هو التعالي، هو التقدم المستمر ورفض الصيغ الجاهزة، رفض تحويل الذات إلى موضوع، رفض القطعية والمذهبية والتوقف.
6
كلها مثل الروح العلمية المعاصرة نجدها مكنونة في ذخائر التنزيه ... أثمن ما في تراثنا وكلامنا ... فهو - أي التنزيه - بناء شعوري أكثر منه عقيدة، يمكن أن يدفع للبحث المستمر عن الحقيقة القصوى وتقدم العلم. كل هذا المبلغ في تشييد الموقف العلمي الطبيعي يمكن أن يبلغه علم الكلام بالتنزيه، ليحمل مستقبله كيانا يتجه نحو معرفة بلا حدود، هو الإنسان العالم، الحامل الحقيقي لرسالة الوحي.
بهذه الفعالية المستقاة من موجهات الحي إلى الطبيعة ومن التنزيه يكون الفكر الديني تأصيلا للفكر العلمي، ويكون الفكر العلمي نماء وتطويرا للفكر الديني، ويكون الكلام بإسقاطه الفكر العلمي والبعد الطبيعي كلية ودورانه في الدائرة الأنطولوجية الثيولوجية المغلقة قد ألغى مراحل من التقدم تم إحرازها. إن المهمة المنشودة من التوجه المستقبلي لعلم الكلام هي إعادة الطبيعة إلى الإنسان وتأسيس موقفه الطبيعي العقلاني. (2) الطبيعيات من الأيديولوجيات إلى الإبستمولوجيا، وبالعكس