تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبشيء من التعيين والتوجيه القصدي نحو أطروحتنا، الطبيعيات في الكلام، وعلى سبيل التمهيد لوضعيتها المستقبلية التي ننشدها في نظرية المعرفة، هل يمكن أن يناظر هذا انتقالا من عموم مسئولية الإنسان عن أدوات العلم والمعرفة:

إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا

إلى مسئولية عن الشكل الجديد لتآزر هذه الأدوات - الحواس والعقل - وتكاملها في أقوى وأنضج صورة؛ أي في المنهج العلمي التجريبي، المنهج الفرضي الاستنباطي، بفاعليته المشهودة في تغيير وتطوير عالم الإنسان ووجوده المتعين.

وكما رأينا، كلما تطور علم الكلام كان يقل اعتماده على النص، ويزداد اعتماده على العقل، حتى كان تمامه في الحكمة حيث المعقول البرهاني. وشهد علم الكلام في بعض مراحله اتساعا في تحليلات المعرفة والوجود، هذه التحليلات امتدت وانتشرت حتى اختفى علم الكلام، وسادت الفلسفة في النهاية. كل هذه الفعالية العقلية كان من الممكن أن تسفر عن اكتشاف بين للطبيعة.

وقد أفصح هذا الاكتشاف عن نفسه في شكل اهتمام المتكلمين الفائق بالجوهر وأعراضه؛ ليكون مبحث الجواهر هو بعد الطبيعة، بقدر ما كان مبحث الأعراض هو بعد الإنسان، ولئن انقسمت الأعراض بدورها عند المتكلمين إلى نوعين، الأول يختص بالحياة وما يتبعها من إدراكات كالعلم والقدرة والسمع والبصر، والثاني يختص بالأكوان والمحسوسات؛ أي ظواهر الطبيعة الجامدة، فإنه حتى في هذه القسمة يظهر الإنسان ككائن حي مدرك، ويظهر العالم الطبيعي كموضوع مدرك له. هكذا نظفر ببعدي الإنسان والطبيعة: قطبي الطبيعيات المرومين، لا سيما من حيث هي إبستمولوجية، بل ويمكن أن نظفر بوجود الإنسان في الطبيعة: إن الإنسان والطبيعة هما القطبان الأساسيان للموقف العلمي.

هذه العوامل التي كانت كفيلة بتأسيس الموقف العلمي، لم تكن فقاعات على السطح، وقد أظهر عرضنا السابق كيف انصبت نظرية الوجود على الطبيعة، كأن التوحيد افتراض نظري تفسر على أساسه الظواهر الطبيعية، أو رؤية موجهة للذهن نحو الطبيعة؛ فلا إثبات لله ولا تفكير فيه إلا بعد التفكير في الطبيعة وعالمها. «وكأن الدين لا يتأسس إلا في العلم الطبيعي، وفي هذا اتفاق الكلام مع الحكمة، وأيضا مع أصول الفقه والتصوف.»

1

من هنا تداخلت أو بالأحرى تكاملت الطبيعيات والإلهيات، فأمكننا الآن التقاط بذور واعدة من تراثنا، لنحاول أن نستنبتها يقطينا أو لينة، تنمو وتعلو، لتشق تلك الدائرة المغلقة التي كانت من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس.

فلولا سقوط هذه العناصر الواعدة لما غاب البعد الطبيعي للإنسان من الوجدان المسلم. مطلوب الآن إحياؤها، على أن يتحول البعد الطبيعي إلى فعالية، إلى صيرورة متنامية باستمرار ... إلى نضال معرفي وجهاد إبستمولوجي، يتكرس له ويتفانى فيه ويستشهد من أجله أولو العزائم والشكائم حقا، العلماء في معاملهم ... في معترك كفاحهم الضاري والنبيل. •••

إن الضرورة الملحة الآن إحياء وإنماء ذلك البعد الطبيعي. ويمكن الاستفادة بشيء من التواصل مع المعتزلة وابن رشد وسائر الطبائعيين من أجل تجذير البعد الطبيعي في ثقافتنا، إعادة الإنسان المسلم إلى الطبيعة تمهيدا لاستملاكها؛ هكذا يحقق مستقبل علم الكلام تجاوزا مثمرا لماضيه الذي حمل صورة الطبيعيات المتجهة إلى الثيولوجيا المسخرة لتأكيد وجود الله الغني عن العالمين، لا الإنسان الذي يحيا فيها ويصارعها ويعاني جموحاتها، حتى تمخضت الطبيعة مع الأشاعرة عن جرف هار تحت قدميه، بلا قانونية ولا مشروعية ولا مصداقية للعلم بها.

بهذا الاستيعاب والتجاوز يتم تعديل وضع الطبيعيات، لتغدو من أجل الإنسان الذي يظهر من خلالها مثبتا دوره في الكون، ووجود الطبيعة في عالم الإنسان وله وبه ومن أجله. هكذا يتأسس الموقف السليم لممارسة فهمها وإدراك قوانينها والسيطرة عليها؛ أي إنه الوضع المبدئي لما يمكن تسميته بالموقف العلمي. وبقدر ما يتأسس هذا بقدر ما تتحقق رسالة الوحي الإسلامي كخاتمة الأديان، من حيث هو وحي طبيعي لا كهنوتي. إن التوحيد يصبح كما كان وكما ينبغي أن يكون: رؤية موجهة للذهن نحو الطبيعة، وتتحول الطبيعة من موضوع حسي وجداني إلى موضوع عقلي علمي، ويتحقق مشروع الكلام الذي وضعه لنفسه وهو يبحث في نظريتي العلم والوجود، ليصنع نهضة حضارة ويؤكد سؤدد أمة، وهو المشروع الذي توقف منذ القرن الثامن.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٤٣