تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35

ويبلغ اعتقادهم بالعلية وقانونية الطبيعة ذروته في قول بعضهم بمذهب الطبائع، وكما يقول الخياط في كتاب «الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد»:

أصحاب الطبائع هم القائلون بطبيعة ثابتة لكل شيء يصدر بمقتضاها، فلكل مطبوع جنس واحد من الأفعال؛ النار لا يكون منها إلا التسخين، والثلج لا يكون منه إلا التبريد، وإن من تكون منه الأشياء المختلفة هو المختار لأفعاله لا المطبوع عليها.

36

هكذا لم يجعل المعتزلة من قانون الطبيعة نقضا لفكرة الحرية كما فعل فلاسفة أوروبا، بل وضع المعتزلة فرقا جوهريا بين عالم الطبيعة وعالم الإنسان؛ الأول حتمي آلي «إرادة حتم»، والثاني يدخل فيه عنصر التمكين والاختيار الإنساني، أو هو إرادة تفويض.

37

وفيما بعد سأوضح تفصيلا كيف كان المعتزلة فلاسفة الحرية والعقل من حيث هم أهل العدل والتوحيد.

على أن مذهب الطبائع ليس حكرا على المعتزلة، وليس شاملا لكل رجالاتهم، فقد رفضها العلاف ورفضها أيضا القاضي عبد الجبار المعتزلي، قائلا: إن تعليق الحوادث بالطبع تعليق لها بما لا يعقل. أصحاب الطبائع في الواقع هم أصحاب النزعة المادية. قال بها من المتكلمين النظام، والجاحظ، ومعمر بن عباد السلمي، وثمامة بن الأشرس، وهشام بن عبد الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، قال بها أيضا ابن رشد، ودعاة المنطق الحسي من الفقهاء، ويمكن أن نجدها بشكل ما في بعض تجليات وحدة الوجود الصوفية، التي تعود في أصولها الأولى إلى شكل ما من وحدة الوجود المادية المستندة على تجسيم الله كمذهب الكرامية أصحاب ابن كرام (ت255ه)، الذين أمعنوا في إثبات الصفات والعرش حتى ذهبوا إلى تصور جسم واحد قديم أزلي أبدي، ولا فرق فيه بين خالق ومخلوق، وتحدثوا عن حدوث العالم في ذات الله. وثمة هشام بن عبد الحكم وهو من رواد الطبائع وأيضا من رواد التجسيم في الإسلام، ذهب إلى أن الله جسم مادي، مستندا في هذا إلى ظاهر بعض الآيات القرآنية التي توحي بذلك نقليا أو سمعيا. أما عقليا فقد استند على أن الشبيه يدل على الشبيه، وما دمنا نستدل على وجود الله من الأجسام الطبيعية الحادثة فلا بد أن الله أيضا جسم.

وبديهي أن المعتزلة بنزعتهم التنزيهية الخالصة ونفي الصفات عن الذات الإلهية، قد جردوا مذهب الطبائع من هذه الترهات وبلغ على أيديهم نضجا رائعا.

وأخيرا يتقدم ابن خلدون الذي يكاد يكون أول مفكر في العالم القديم - شرقا أو غربا - يحاول مد فكرة الطبائع من عالم الطبيعة إلى عالم الإنسان أو بمصطلحاته عالم العمران، وكان ابن خلدون بهذا يحدث قطيعة مع التراث السابق عليه بأسره، والذي لم يتصور - بتأثير أرسطو وسواه - قوانين للتبدل أو طبائع تحكم عالم التاريخ. فعل ابن خلدون هذا على الرغم من أشعريته ومن مشاركته الأشاعرة في الهجوم على المعتزلة بغير أن يمنعه هذا من الاعتراف بفضلهم.

وبخلاف ابن خلدون، نجد الأشاعرة جميعا ينهالون بنقد عنيف على مذهب الطبائع، بالرغم من اتساقه - الذي عني المعتزلة بتبيانه، كما اتضح فيما سبق - مع الإرادة الإلهية؛ فقد اعتبروا استغناء الأحداث عن الفاعل المختار وجريانها بمقتضى الطبيعة نوعا من الشرك.

يقول الجويني الأشعري إمام الحرمين بنبرته الهادئة المتزنة: «يستحيل أن يكون مخصص العالم طبيعة كما صار إليه الطبائعيون؛ لأن تلك الطبيعة إما أن تكون قديمة أو حادثة، لو كانت قديمة لوجب قدم آثارها، وآثارها حادثة وتفتقر إلى طبيعة أخرى؛ الصانع المختار هو العلة والفاعل الأوحد.»

38 •••

وفي النهاية نجد الأشاعرة، بما آل إليهم من سطوة معرفية وسؤدد أيديولوجي، قد أزاحوا مذهب الطبائع من مسار الفكر الإسلامي، ولعله كان كفيلا بتوجيه هذا الفكر إلى ما هو أفضل مما انتهى إليه حال الطبيعيات، لكن الرفض السابق للأحكام الانفعالية الحدية والإصرار على النجاة من التطرف الذي يلهي عن تاريخانية ونسبوية كل مقولة، مهما كان نصيبها من الصواب، يجعلنا نقول: ليس صحيحا أن عودتنا إلى أصحاب الطبائع من الاعتزاليين هي كل المنشود، مما قد يغني عن قطيعة معرفية.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٢٥