الأحداث كلها مع الأشاعرة مستندة إلى الله ابتداء بلا وجوب، فلا قوانين ولا طبائع ولا حتمية ولا نظام في الطبيعية، وكما هو معروف، نفوا أي ترابط سببي علي بين الأحداث؛ لأنهم رأوا العلية كقوة محدثة شركا؛ إذ تعطل عمل الخالق، فضلا عن خطرها على فكرة المعجزة. وللتخفيف من وقع المصادفة التي ما كان العقل الطبيعي يتقبلها آنذاك وضعوا نظرية الاقتران والعادة.
فنحن نفسر الاقتران بين الأحداث على أنه تلازم علي؛ لأننا «اعتدنا» رؤيته دائما، العادة فقط هي التي تظهر الكون في امتداده، بينما هو في تغير مستمر غير قابل لتعقل الإنسان، وبهذا رفع العقل يده تماما عن عملية المعرفة بالطبيعيات.
لم يكتف الأشاعرة بإخراج الطبيعيات من الإبستمولوجيا، بل إنهم ببساطة حذفوا المشكلة الإبستمولوجية أصلا ونفوا إمكانية ومشروعية ومصداقية وجدوى المعرفة الطبيعية، إيذانا بدليل عجز العقل الإسلامي أمام الواقع والوقائع. •••
هل يبرأ المعتزلة من هذا؟ أجيب بتحفظ أقرب إلى النفي، هذا على الرغم مما يسود الفكر المعاصر في توجهاته العقلانية والتحديثية من إسراف وإفراط في تمجيد المعتزلة، حتى يذهب حسين مروة إلى أن انتكاسة الحضارة العربية برمتها بسبب محنة المعتزلة، ولولاها لكان من المفترض - بحكم ظاهرات التقدم العلمي في القرن التاسع الميلادي - أن تتجه الحركة العقلية الفلسفية بخاصة اتجاها أكثر واقعية وأكثر ارتباطا بنتائج تطور العلوم التطبيقية في ذلك العصر.
32
إن التوجه عام نحو تمجيد المعتزلة ونزعتهم العقلانية، مقابل الإدانة المطلقة للأشاعرة فيما أسماه جورج طرابيشي: «دراما المعتزلة والأشاعرة.»
33
إن هذا الإسراف لا يلتفت إلى جدلية العلاقة بين الفكر والواقع؛ فالواقع الذي بدأ في التفكك والتردي منذ العصر العباسي الثاني كان يحمل في ذاته عوامل النكوص، ربما من حيث كان يحمل عوامل سؤدد الأشعرية. لعل الأشاعرة مكرسوه، لكنهم بالتأكيد ليسوا خالقيه أو صانعيه، بل إنهم في حقيقة الأمر أيديولوجيون مرتبطون بالواقع أكثر من المعتزلة، أو هم أكثر تعبيرا عن الموقف العام للجماهير، ولا نستطيع إنكار أنهم استقطبوا الجماهير لوقوفهم موقفا وسطا فض النزاع الضارب بين غلاة النقليين ويمثلهم الحنابلة وغلاة العقليين ويمثلهم المعتزلة.
إن هي إلا صفحات قلائل وأقوم بدوري في إحقاق حق المعتزلة وتقدير مواطن تألقهم وعطائهم، ولا يمنع هذا من رفض المنطق الانفعالي والحكم الحدي بالصواب والخطأ ... الأبيض والأسود ... نعم ولا، ليكون الأشاعرة هم كل الشر يحملون وحدهم مسئولية كل تخلف، ويكون المعتزلة هم كل الخير حاملون المفاتيح الذاتية الصنع لفراديس التقدم السبع المعلقة، فلا يدانيهم الخطأ ولا الملام من بين أيديهم ولا من خلفهم، وكل ما يعوزنا مد طريقهم إلى يومنا هذا، وما سيتلوه بلا حاجة للإضافة أو الإبداع، ناهيك عن القطع المعرفي.
لقد حرصت على الانطلاق من مواطن لقائهم مع الأشاعرة، وعلى أساسها، ويكفي تلاقيهم في الجوهر الفرد الذي هو صلب الطبيعيات الكلامية، والذي كان الأداة الفعالة لتدمير الطبيعة، وسوف أعود مجددا وختاما لمواطن اللقاء تلك، ولا يمنع هذا من الإقرار قبلا بأنهم - في مقابل الأشاعرة - أضمروا اعتقادا بقوانين طبيعية تجري وفقها الأحداث، وكانوا بحق - كما بينت في بحث سابق لي - من حملة لواء الحتمية في العصور الوسطى.
34
قلة من المعتزلة كأبي بكر الأصم أنكرت وجود الأعراض، وقال معظمهم: إن الله لم يخلق إلا الجواهر، ولم يخلق الأعراض إلا بالتوليد؛ أي إنها فعل ينشأ عن الفعل المخلوق (= الجوهر). ما يحل في الجواهر من أعراض من فعل الجسم؛ لذلك فالطبيعة فاعلة بذاتها وأفعالها خاضعة لقانون شامل، لحتمية علمية، ولا ينقض هذا الإرادة الإلهية إن لم يؤكدها؛ لأن «أعراض الأجسام وطبائعها حاصلة بإيجاب خلق الله لها.»