تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

والإجابة أنه واحد، وهو متنوع.

فقد أصبح علم مناهج البحث من أخص خصائص الفلسفة، وهو مركب جدلي من الوصفية والمعيارية، فالفلسفة هي الوعي بموضوعها، الوعي المتميز عن الفهم التفصيلي التفتيتي، بأنه أشمل نظرة لما هو كائن، تأصيلا له، واستشرافا لما ينبغي أن يكون: استشراف الطبائع العامة المميزة للبحث العلمي في أطرها المنطقية الصورية والثبوتية اللزومية، علم مناهج البحث حين يتعرض للمنهج التجريبي بهذه النظرة الجذرية التأصلية والشمولية الاستشرافية، يحاول الاهتداء إلى سمات البنية والقسمات الجوهرية، فيكون المنهج الفرضي الاستنباطي - كما كان المنهج الاستقرائي - هو التصور الفلسفي المنطقي للهيكل العام الذي يحدد أسلوب التعامل العلمي مع الواقع؛ لذلك فهو واحد.

ولكن الواقع العلمي متنوع، فالعلم التجريبي للبكتيريا غير العلم التجريبي للفلك، غير العلم التجريبي للنفس ... وبطبيعة الحال لا بد أن تختلف طرائق البحث وأساليبه الإجرائية وتقاناته الأمبيريقية من علم إلى علم، بل إنها تختلف داخل العلم الواحد أولا تبعا لدرجة تقدمه، وثانيا تبعا لزوايا ومستويات تناوله لموضوعه، وعلى هذه الاختلافات الإجرائية ينصب اهتمام العلماء المتخصصين كل يسخره لخدمة موضوعه، وبما يتلاءم مع الطبيعة النوعية لمادة بحثه بكل تميزها وخصوصيتها عن مواد العلوم الأخرى، بهذا المنظور التخصصي تظهر علوم لمناهج البحث ملحقة بفروع العلوم المختلفة لتعالج الأساليب التقانية والوسائل الاختصاصية المتكيفة مع موضوع البحث، ومادته التي تختلف من علم لآخر، فنجد مثلا «مناهج البحث في علم الاجتماع» و«مناهج البحث في علم الفلك» و«مناهج البحث في الهندسة الوراثية» و«مناهج البحث في علم النفس»، وكل فرع قد ينقسم بدوره إلى فروع، فنجد «مناهج البحث في علم النفس الاجتماعي» و«مناهج البحث في علم نفس الشخصية» و«مناهج البحث في علم النفس الإكلينيكي» ... إلخ، هذه المسائل المتعلقة بنوعيات الأمبيريقيات، وأساليب الممارسة الإجرائية، مسألة تخصصية يعالجها كل علم وفقا لطبيعة مادته، والعلماء المنشغلون بها هم الأخبر ... فهي تخرج إذن عن مجالنا.

إن الفلسفة هي دائما النظرة الكلية الباحثة عن المبادئ العمومية الكامنة في الأعماق البعيدة، وبهذا المنظور نجد الميثودولوجي - علم مناهج البحث الذي يدخل في ذات الهوية مع فلسفة العلوم - يبحث من وراء هذا الاختلاف عن الأسس العامة التي يمكن تجريدها من المواقف العلمية المختلفة؛ لنجدها أسسا منطبقة لا على الفلك دون الاجتماع أو النفس دون الكيمياء، بل هي منطبقة على كل بحث علمي من حيث هو علمي، معنى هذا أن المنهج الفرضي الاستنباطي هو المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية على السواء.

نعود إذن إلى العلوم الإنسانية، وبعد أن أحرزت كل ما أحرزته من نشأة ناضجة ونماء متواصل، وتقدم لا يستهان به، سوف يظل التسليم بالمنهج الاستقرائي هو الكفيل بجعل مشكلتها إشكالية، بل مأزمة لا مخرج منها، فقد أوضحنا أن الطبيعة النوعية التي تختص بها ظواهر العلوم الإنسانية شديدة التعقيد كثيرة المتغيرات، واستلقاط وقائع للملاحظة وسط كثرة متكثرة من المتغيرات، يجعل محض التعميم الآلي لها مشوبا بالقصورات والتحيزات، إن لم يكن مستحيلا أصلا تأسيسا على ما عرضناه من استحالة البدء بالملاحظة، إن الاستقراء منهج آلي يرسم طريقا للفرض - أي فرض - بغير مراعاة للطبائع النوعية المتغيرة لموضوعات البحوث.

أما التسليم بالمنهج الفرضي الاستنباطي فيفتح الباب على مصراعيه لإمكانية مراعاة الطبائع النوعية المتباينة، ما دام منهجا لا يرسم طريقا للفرض، طريقا ربما يصلح للفروض بشأن ظاهرة ولا يصلح لأخرى.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٥٠