تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

تلك هي الصورة العامة لمسار البحث التجريبي، إنه المنهج الفرضي الاستنباطي.

والواقع إنه لا كوبرنيقوس، ولا جاليليو، ولا نيوتن، ولا أي رائد من الرواد الذين شيدوا صرح العلم الحديث، ولا أي من العلماء الأقل حجما، ولا من العلماء طرا، توصل إلى إنجازاته عن طريق الاستقراء، بل جميعهم يبدأ بفرض يستنبط نتائجه، ثم يقوم باختبارها تجريبيا، ولكن بفعل العوامل الداخلية والخارجية لحركة العلم الحديث ران الوهم الاستقرائي على العقول، من حيث ران الوهم الحتمي الميكانيكي. •••

وقد تبددت هذه الأوهام في ضوء النسبية والكمومية، ثورة العلم في القرن العشرين (راجع

الفصل الأول )، وأصبح يتعامل مع كيانات غير قابلة للملاحظة أصلا، مثلا لا نستطيع ملاحظة مسارات الإلكترون داخل الذرة، بيد أن الشعاع الصادر من الذرة خلال التفريغ

Discharge

يمكن من استنباط ترددات

Frequencies .

11

فيقول هيزنبرج - صاحب مبدأ اللاتعين

Indeterminacy

الخطير - إننا لا نستطيع التعويل على الملاحظات بوصفها تشير إلى الأشياء في ذاتها

Dinge an Scih

أو الموضوعات.

12

نحن لا نلاحظ الكيانات موضوع الحث أصلا، نلاحظ فقط آثارها على الأجهزة المعملية، فتمكنا من وضع الأصبع على حقيقة المنهج التجريبي: لا بد من فرض يفترضه العقل، يخلقه خلقا ويبدعه إبداعا، ثم يستنبط نتائجه، وهنا ينزل إلى الملاحظة التجريبية، بل أحيانا كثيرة يصعب إجراء التجربة لأسباب فنية، أو لأنها باهظة التكاليف فيحتكم العلماء إلى «التجارب العقلية»؛ أي تخيل التجربة، وافتراض نتائجها المتوقعة، والعلماء الذريون مغرمون «بالتجارب العقلية» هذه.

وفي كل حال «العلم تجريبي» كما أن (أ هي أ)، ولكن في ضوء المنهج الفرضي الاستنباطي ليست الملاحظة التجريبية مصدرا للفرض العلمي، بل محك له، فهو لا يحدد الطريق إلى الفرض. هذا الطريق لا يمكن أن يكون تحديده مسألة منطق أو قواعد منهجية؛ لأنه يعتمد على عنصر العبقرية والإبداع والذكاء الإنساني، فيمكن أن يترك مثلا للدراسة السيكولوجية للإبداع العلمي، معنى هذا ببساطة أن العلم صنيعة الإنسان، وليس البتة نشاطا آليا، وبغير حاجة لتفصيلات واستطرادات يمكن إدراك كيف أن كل المثالب المنطقية المحيقة بالاستقراء تنداح كما تنداح دوائر في لجة ماء ألقي فيه بالحجر، مع رؤية المنهج الفرضي الاستنباطي.

إن العلم صنيعة الإنسان، أي فعالية نامية باستمرار، كل خطوة قابلة للتجاوز، للتقدم؛ لذلك يجعل المنهج الفرضي الاستنباطي كل قانون مجرد فرض ناجح، في حين أن المنهج الاستقرائي يجعل كل فرض ناجح قانونا، اكتشافا لحقيقة، إن الاستقراء - منهج البدء بالملاحظة الصلبة - هو منهج لتأسيس العبارات العلمية على أساس مكين هو الوقائع التجريبية، في حين أن العلم التجريبي بناء صميم طبيعته الصيرورة والتقدم المستمر، وها هنا نجد المنهج الفرضي الاستنباطي نظرية في الإبداع والتقدم المستمر، في أسلوب هذه الصيرورة، بهذا لا يتساوق منهج العلم ومنطقه فحسب، بل وأيضا يتطابقان.

ارتهنت كل هذه الإحرازات المنطقية بالاستنباط، وهذا الاستنباط

13

التجريبي أو المقترن بالتجربة مثمر خصيب، مدعاة للتجديد والتعديل والإضافة، الفرض هو عين الإضافة، إنه بداهة منهاج لا يعود إلى قياس أرسطو العقيم، بل ولا علاقة له أصلا بأرسطو؛ حيث إن منطقه هو منطق العلاقات، المنطق الرياضي أو الرمزي الحديث، وبتأمل هذا لاحظنا أننا بإزاء جدلية واضحة: (أ)

في المرحلة الوسيطة ساد الاستنباط الأرسطي: القضية. (ب)

في المرحلة الحديثة ساد الاستقراء التجريبي: سلب القضية أو نقيضها. (ج)

في المرحلة المعاصرة المنهج الفرضي الاستنباطي: مركب جدلي يجمع خير ما فيهما ويتجاوزهما للأفضل.

ويبرز التساؤل: منهج العلم «وحدة أم تنوع»؟

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٤٩