على أن التعبير عن درجة التعزيز التخصصية لفرض معين بالصيغة المنطقية المذكورة يبرز اختلافا ما بين بوبر وبين جمهرة من المناطقة المعاصرين؛ إذ توضح أن قياس تفاوت درجة التعزيز يعني مقارنة الفرض الجديد بسابقه المطروح في الحصيلة المعرفية، وبينما يرى دوهيم ومن بعده المنطقي الكبير كواين أن اللزومات المنطقية
Consequences ؛ أي النتائج المستنبطة التي تخضع للاختبار لا تخص الفرض الجديد وحده، بل تخص النسق المعرفي بأسره الذي انتمى إليه الفرض، يرفض بوبر هذه النظرية الكلية، ويرى أن اختبار الفرض على حدة، وبصورة منفصلة مسألة جوهرية لتقدم العلم، وقياس ما يضاف إليه حقيقة، وعلى الرغم من هذا الخلاف الكبير بين بوبر وكواين فإن كواين نفسه لم يملك إلا استصواب ما أسماه بالطبيعة النافية لنظرية بوبر المنهجية ، بمعنى أن البينة قد تفند الفرض، ولكن لا تؤيده بحال، أو تؤيده بمعنى سلبي ناف، هو غياب التفنيد.
6
ويرى كواين أن هذا المنحنى النافي يجب أن يكون أساس التعامل مع العلم؛ لأنه كفء لهذا، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أنه لا يتعلق إلا بالعبارات الكلية، وهي صورة القانون العلمي. فبالطبع العبارات الجزئية (أ هي ب) لا يجدي التعامل معها بالمنهج النافي شيئا، وإذا انتقلنا من هذا الوجه المنطقي إلى الوجه الميثودولوجي (المنهجي) وجدنا أن مهمة التجربة هي تفنيد الفرضيات، لا تأييدها؛ لأن الفرضيات لا يمكن إثباتها، يمكن فقط عدم تفنيدها.
ويعلق عالم الإحصاء الروسي الكبير ناليموف على هذا بأن بوبر قد أضفى صبغة فلسفية منطقية على هذا القول المعروف لكل عالم إحصائي.
7
أما الذي يجعل القابلية للاختبار والتكذيب خاصة منطقية مميزة للقضية العلمية، ومعيارا قادرا على تمييز العلم التجريبي؛ فذلك لأنها ترسو على أسس تجريبية هي العبارات الأساسية
Basic Statements
وهي عبارات تجريبية مفردة لها الصورة المنطقية للعبارات الوجودية المحددة، أو بتعبير ألفرد تارسكي: القضايا ذات الطابع الوجودي
Existential Character
التي تقرر وجود أشياء معينة متصفة بصفة معينة، إن وجود شيء معين في زمان معين، ومكان معين يجعل العبارة تشير علانية لموضوع مادي يمكن ملاحظته، مما يجعل من الممكن مباشرة إقرار العبارة، أو إنكارها على أنها إما صادقة أو كاذبة، أما العبارات الوجودية غير المحددة مثل «هناك س في مكان ما من زمان ما»، فهي تبعا لمعيار القابلية للتكذيب ليست علما؛ ذلك لأنها لا يمكن أن تخبر بشيء ما، ما لم ننسب إليها الشروط التي تحددها؛ أي التي تجعلها وجودية محددة، ما دامت العبارة الأساسية لها صورة العبارة الوجودية المحددة، فهي إذن عبارة خصوصية
Particular
عن واقعة خصوصية.
وهذه العبارات تمثل عمود التكذيب الفقري ودماءه، وهي التي خولت له إمكاناته في منطق العلم التجريبي.
8
فلنفرض أننا فتتنا العالم التجريبي على طريقة برتراند راسل مثلا إلى أقصى درجة ممكنة، أي إلى عدد لا نهائي من الأحداث
Events
كل حدث واقع في آن معين من الزمان، ونقطة معينة من المكان، جماع هذه الأحداث هو العالم التجريبي، ولنضع لكل حدث جملة تنقله بتعبير راسل جملة ذرية، هذه الجمل الذرية وارتباطاتها معا هي فئة «العبارات الأساسية» إنها جميع العبارات الخصوصية الوجودية الممكن تصورها عن الواقع؛ لذلك ستحتوي الفئة على عبارات كثيرة ليس بينها تساوق أي توافق متبادل؛ إذ إنها تعبر عن كل الوقائع التجريبية الممكنة، أي التي قد تحدث، وقد لا تحدث.
ونظريات العلم الطبيعي، أي محاولات الكشف عن القوانين التي تحكم العالم التجريبي، هي محاولات رسم حدود وفواصل بين هذه العبارات الأساسية، حدود تحدد الممكن الذي سوف نلقاه في خبرتنا، وتمنع ما خارجها من الحدوث؛ لذلك يقول بوبر: «إن إمكانية التكذيب هي إمكانية الدخول في علاقات منطقية مع عبارات أساسية محتملة؛ أي من فئة كل العبارات الأساسية الممكنة، وإن هذا لهو المطلب الجوهري والمبدئي؛ لأنه متعلق بالصورة المنطقية للفرض.»