تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Testability ، الاختبار التجريبي بالطبع.

والقابلية للاختبار قد ترتبط بالقابلية للتحقيق

Verifiability ، ولكن الخاصة المنطقية المميزة للعبارة وللنظرية العلمية هي إمكانية التكذيب؛ أي التفنيد والنفي، وليس مجرد التحقيق، مثلا العبارة «السماء ستمطر غدا» عبارة علمية؛ لأنها قابلة للاختبار التجريبي بمجيء الغد، وقد تمطر السماء؛ أي قد نتحقق منها، ولكن ليس هذا هو المناط في علميتها، بل المناط في إمكانية ألا تمطر السماء غدا. إمكانية تكذيبها وهي إمكانية قائمة خاصة منطقية لها، وبالبحث عن التكذيب، وليس التحقيق يمكن استبعاد عبارات مثل «غدا قد تمطر السماء أو لا تمطر»، وهي واجبة الاستبعاد؛ لأنها لا تعطينا محتوى إخباريا، فهي تحصيل حاصل من الصورة المنطقية (ق 7 ق)؛ أي (إما ق أو لا ق).

وحينما يأتي الغد فأيا كانت الخبرة الحسية فسوف نتحقق منها، ولكن تكذيبها مستحيل، فنستطيع الحكم بأنها لا علمية، هكذا يمكننا معيار القابلية للتكذيب من استبعاد تحصيلات الحاصل المتنكرة في هيئة إخبارية، وهي واضحة متجلية في الفروض الميتافيزيقية الموغلة في غياهب العقل الخالص، وأيضا في الفكر الثيولوجي، وهما نمطان من التفكير غير قابلين للتكذيب. لا أصلا ولا فروعا، ولا مطلوب منهما هذا، فهما ليسا علما.

وبالطبع ثمة فارق بين القابلية للتكذيب وبين التكذيب، وليست تعني الخاصة المنطقية التثبت بالفعل من كذب كل عبارة علمية وتفنيدها، كلا بالطبع، فهذه كارثة محققة، وإلا فما هو علمنا اليوم؟ إنه نسق العبارات القابلة للتكذيب من حيث المبدأ، من حيث القوة بمصطلحات أرسطو أن نتثبت من أن إمكانية التكذيب قائمة في النظرية، لا أن النظرية كاذبة بالفعل، إن القابلية للتكذيب مجرد معيار يحدد الخاصة المنطقية للنظرية العلمية، أما التكذيب فهو حكم عليها، تقييم نهائي لها، رفض، ومن ثم تجاوزها، وإحراز خطوة تقدمية أبعد، قابلة بدورها للتكذيب، ويتم تكذيبها يوما ما بفرض أبعد قابل للتكذيب ... وهلم جرا في مسيرة العلم المطردة التقدم.

ولما كانت القابلية للتكذيب هي ذاتها القابلية للاختبار كانت محاولة تكذيب النظرية هي ذاتها اختبار النظرية، وهذا الاختبار يفضي إما إلى التكذيب، وإما إلى التعزيز

Corroboration

على النحو التالي:

التكذيب:

نحكم به على النظرية إذا لم تكن نتيجة الاختبار في صالحها، أي إذا تناقضت النتائج المستنبطة منها مع الوقائع التجريبية؛ لأن تكذيب النتائج تكذيب للنظرية ذاتها، فتستبعد من نسق العلم، رغم أنها علمية، لكننا وضعنا الأصبع على موطن خطأ أو كذب، فيمكن تلافيه فيما سيحل محلها، فيكون أكثر اقترابا من الصدق، وأغزر في المحتوى المعرفي، وفي القوة التفسيرية ... لذلك فكل تكذيب ظفر علمي جديد، وليس خسارة كما يبدو للنظرة العابرة.

التعزيز:

وهو يتم إذا تجاوزت النظرية الاختبار، والتعزيز هو جواز مرور الفرض إلى النسق العلمي، المرور من اختبارات منهج العلم القاسية، وكلما كانت الاختبارات أقسى حازت النظرية التي تجتازها درجة تعزيز أعلى، وكانت أعظم؛ أي أغزر في المحتوى المعرفي، وأجرأ في القوى التفسيرية؛ لذلك يؤكد بوبر دائما على قوة الاختبارات حتى لا تستطيع النظرية أن تعزز وتعبر إلى نسق العلم بسهولة.

إن التعزيز هو النتيجة الإيجابية لكل ممارسة منهجية ناجحة، فالنجاح يعني التوصل إلى فرض جديد يحل المشكلة بكفاءة أعلى من سابقه، ويمكن التعبير عن هذا منطقيا كالآتي:

ء (ف1، ش ت) < ء (ف2، ش ت)

حيث إن (ف1) الفرض الموجود في الحصيلة المعرفية السابقة، و(ف2) الفرض الجديد الذي يناقشه، و(ء) درجة تعزيز الفرض في ضوء (ش)؛ أي المناقشة في الوقت الراهن (ت)، (<) أقل من، وهذه الصياغة تقنين منطقي لمسيرة العلم التقدمية من حيث إنها تبرير قبول (ف2) فنسق العلم سيحذف منه (ف1)، ويوضع بدلا منه (ف2)؛ لأنه أكثر تعزيزا ... أكثر تقدما. مفهوم التعزيز يشير إلى قوة الفرض الإبستمولوجية، ولا علاقة له البتة «بالاحتمالية» بالمعنى «الموضوعي» المسلم به في العلم المعاصر الذي يعني احتمالية حدوث الحدث، وتكراره أنطولوجيا وهو بالطبع المعنى الذي يعمل بوبر به دائما.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٣٨