تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40

وهذا هو عينه ضرورة تحديد تخوم واضحة لمشاريع العلوم الإنسانية.

وسوف نصل أيضا إلى هذا الطريق نفسه لو سرنا من الوجه الآخر للعملة، أو للمشكلة المقابل لتسرب أو تدخل الأيديولوجيا، وهو تدخل الحس المشترك.

فلا شك أن الطبيعة النوعية لموضوعات العلوم الإنسانية - ولعلم الاجتماع بالذات - تفتح الباب لتدخل الحس المشترك، حتى يذهب ميردال إلى أن العلم الاجتماعي لا يعدو أن يكون حسا مشتركا على درجة رفيعة من الصقل والإحكام، ومن ثم يشارك العلماء الاجتماعيون سائر الناس في تصوراتهم عن الواقع، ويفرق ميردال بين نمطين من التصورات هما الاعتقادات

beliefs

والتقويمات. ويمتزج النمطان في آراء

Opinions

الناس ومنهم العلماء، رغم اختلاف الفحوى المنطقية لكل منهما. فالنمط الأول - أي الاعتقادات: عقلي عرفاني، النمط الثاني - أي التقويمات: انفعالي لا إرادي.

41

وعمق هذا التداخل بين العلم وبين الحس المشترك يبرز هو الآخر مدى الاحتياج لمحك يفصل بحسم بين ما هو علمي، وما هو لا علمي. ومن أي زاوية «يجب أن نميز في قضايا العلوم الإنسانية بين ما يخص العلم، وما يخص غيره.»

42

والخلاصة أننا ننتهي الآن إلى أن الطريق نحو حل مشكلة العلوم الإنسانية يتطلب التمييز بين ما هو علمي يتعلق بالمحتوى المعرفي، وما هو لا علمي يتعلق بأيديولوجيا، أو فلسفة، أو تقويم، أو إسقاطات، أو رأي شائع ... على ألا يتم التمييز بطريقة مباشرة؛ أي ليس بالوعي والتصريح بما هو غير علمي، بل بجعله عاجزا عن التدخل المباشر في القضية العلمية، ولن يكون ذلك إلا بصياغة قضايا العلوم الإنسانية على النحو الذي لا يجعل الحكم عليها معتمدا على مقاييس الأيديولوجيا، أو الفلسفة، أو سواهما، ومعنى هذا أن تطوع القضية العلمية في بحوث العلوم الإنسانية لشروط صياغة الفرض العلمي الذي يقبل المواجهة مع الواقع، من حيث المبدأ، وكل ما لا يقبل هذا التطويع يظل خارج المحتوى العلمي، حتى يجد طريقه فيما بعد لهذا التطويع، وهنا يمكن أن نبدأ الطريق نحو حل مشكلة العلوم الإنسانية.

43

وحين تحديد صياغة الفرض العلمي ومعيار التمييز بين ما هو علمي وما هو غير علمي، لا مندوحة البتة عن الالتجاء إلى الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية التي هي عينها معيارها المميز إياها، فالنجاح اللافت للعلوم الطبيعية المتسارعة التقدم في أداء مهمة العلم الإخبارية في الوصف والتفسير - وفضلا عنهما السيطرة والتحكم والتنبؤ - قد بلغ درجة أصبحت تعني أن خاصيتها المنطقية هي التمثيل العيني لشروط الفرض العلمي كيما يتكفل بتلك المهام المنوطة بأي علم إخباري. ولما كانت الخاصة منطقية، فإنها تحدد طريق أو أسس التآزر المتحقق في العلوم الطبيعية، والمنشود في العلوم الإنسانية. إنها على الإجمال، أو على حد تعبير باشلار: تعطينا المثال الثقافي الذي يجب أن يتأكد في جميع مباحث الفكر العلمي؛ حيث لا عقلية في الفراغ، ولا تجريبية مفككة. هاتان هما الفرضيتان الفلسفيتان في الطبيعيات المعاصرة.

44

والواقع أن الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية لا تعدو أن تكون الصياغة أو الصك المنطقي الدقيق لتساوق جهود العلماء؛ ولهذا التآزر الحميم الملتزم المسئول بين العقل والممارسة المعملية، أو بين التنظير والتجريب.

فما هي هذه الخاصة وعلى وجه التحديد المنطقي الدقيق؟

| هوامش

الفصل الرابع

| الخاصة المنطقية المميزة للعلوم الطبيعية

تكاد تتفق الأطراف المعينة على أن كارل بوبر من أهم فلاسفة العلوم الطبيعية والمنطقي الميثودولوجي الأول في النصف الثاني من القرن العشرين.

1

والعالم المتحدث بالإنجليزية يسلم بهذا؛ حيث تحظى أعمال بوبر باهتمام كبير، وانتشار واسع، مثلما تنتشر في كل الأرجاء المعنية بالعلم وفلاسفته، من إيطاليا وألمانيا وإنجلترا حتى الولايات المتحدة، وإذا كانت أعمالا أقل انتشارا في فرنسا، فإن «إدكار فور في طريقه إلى تأسيس مركز للدراسات البوبرية فيها».

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٣٦