تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Vision du Monde ، وهي إذ تصل إلى هذا المستوى العام تصبح عبارة عن قانون ثابت أو شفرة رمزية شمولية يتم بواسطتها تفسير كل أحداث العالم، وهكذا يزداد توسع الوظيفة التبريرية للأيديولوجيا تدريجيا إلى أن تتسرب إلى الأخلاق الاجتماعية وإلى الدين، بل وتلحق حتى العلم.

33

ويبقى كارل مانهايم

K. Mnheim

في كتابه الشهير «الأيديولوجيا واليوتوبيا» - وله ترجمة عربية - من أقدر من استطاعوا تجسيد الفارق بين العلوم الطبيعية والإنسانية بأن المحتوى المعرفي في الأولى يتحرر تماما من الأيديولوجيا التي هي مجمل الأفكار والآراء والنظريات والقيم التي تعبر عن جماعة معينة في إطار تاريخي معين، وهي بهذا نظرة شاملة؛ أي مضادة للنظرة العلمية. •••

وهي مضادة للنظرة العلمية من أكثر من وجهة، فإذا كان المنهج العلمي يقف على العامل المشترك بين الذوات أجمعين، نجد «الأيديولوجيا تؤدي إلى تباين شديد في الآراء، وتجعل نفس الموضوع يراه الناس بطرق مختلفة جدا»،

34

حتى «يمكن اعتبار عدم الثقة والشك اللذين يبديهما الناس تجاه خصومهم في كل مكان، وكل مراحل التطور التاريخي السلف المباشر لفكرة الأيديولوجيا.»

35

وثمة أيضا علاقتها بالطوباوية (التفكير اليوتوبي). والحالة الذهنية تكون طوباوية أو يوتوبية حين تتعارض مع الأمر الواقع الذي تحدث فيه،

36

بينما العلم ينصب على الواقع، ويتساوق معه. والحق أنه لا يمكن الفصل في الفكر الإنساني بين العنصرين الأيديولوجي واليوتوبي (الطوباوي)، إنهما يتولدان معا، وعادة ما تمتزج أيديولوجيات الطبقات الصاعدة بيوتوبياها.

وقد عرض مانهايم بشيء من التفصيل لطوباويات أو يوتوبيات التيارات الأيديولوجية الرئيسية، بطبيعة الحال فقط في مسار الفكر الأوروبي.

37

فكان الشكل الأول للعقلية اليوتوبية هو العقيدة الألفية ذات الطقوس الدينية الصاخبة، والشكل الثاني هو ليبرالية الطبقة البرجوازية الصاعدة، وكانت يوتوبياها هي فكرة الحرية، والشكل الثالث مع يوتوبيا المثل الأعلى المحافظ، الذي يقبل البيئة كما هي، وكأنها النظام المناسب للعالم، ولا يتحرك إلا لصد هجوم الطبقات التي تريد تغيير الوضع القائم، وتقدم الاشتراكية الشيوعية الشكل الرابع للعقلية اليوتوبية، والهجوم عليها يأتي من المصادر الثلاثة السابقة، وأخطرها الليبرالية، وفي الوضع المعاصر تنزل اليوتوبيا بالتدريج نحو الواقع، فتخضع لكثير من التغيرات في الوظيفة والمضمون؛ ولأن مانهايم يقر استحالة الوصول - في الوقت الراهن على الأقل - إلى الحقيقة بصورة مستقلة عن المعاني الاجتماعية والتاريخية، فقد عمل على توضيح دور الأيديولوجيا واليوتوبيا في العلوم الإنسانية، «وإذا كان مقياس الأهمية العلمية لأي مفهوم هو قدرته التفسيرية، فإن الأيديولوجيا واليوتوبيا من المفاهيم المهمة في تفسير الظواهر النفسية والاجتماعية والتاريخية.»

38

فهما وسيلتان لتجنب المزالق الفكرية؛ أي يلزماننا بأن نختبر كل فكرة بدرجة تطابقها مع الواقع، وبأن السعي للخلاص من التزييف والتمويه الأيديولوجي والطوباوي، وهو في نهاية المطاف السعي للوصول إلى الحقيقة.

39 •••

بعد هذا العرض المنطقي، وأيضا التمثيل والتوضيح السريع لمشكلة العلوم الإنسانية في صراعها مع القوى الهائلة لضغوط أو تأثيرات أو تحيزات الأيديولوجيا، يتوجب علينا أن نضع المشكلة بحيث تسير نحو الحل، ولا ندعها طريقا مسدودا لا يفضي إلى اتفاق بين الباحثين أو تكامل لجهودهم، بل يغدو هذا الوضع تحديا علينا أن نواجهه باحثين عن الأسس والمعايير التي نميز بمقتضاها بين ما هو علمي وما هو أيديولوجي، وافتقاد هذه المعايير وغيابها لا يخدم أيا من النظرية العلمية أو الأيديولوجيا على السواء، فلكل منهما أهميته وضرورته، لكنهما رغم ذلك أمران مختلفان،

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٣٥