تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن تلك المعوقات تخرج عن نطاق فلسفة العلم، لعلها تندرج تحت سوسيولوجية المعرفة أو عواملها الاجتماعية. •••

ونعود إلى فلسفة العلم لنجد أن منهج الاختزال المنطقي شديد الفعالية فيها، وبواسطته يمكن اختزال كل حيثيات أو أسباب مشكلة العلوم الإنسانية في عاملين أساسيين تنفرد بهما عن العلوم الطبيعية، فيرتد إليهما تخلفها النسبي عنها: (1)

طبيعة العلاقة بين الباحث وموضوع بحثه. (2)

نوعية الظاهرة الإنسانية.

وخلاصة تفاعل العاملين معا ينجم عنه «افتقاد الإحكام في المشروع العلمي»

9

حين البحث في الظواهر الإنسانية. وهذا ما اصطلحنا على أنه افتقار العلوم الإنسانية إلى التقنين المنطقي (لا سيما في المرحلة التفسيرية).

العامل الأول المختص بطبيعة العلاقة بين الباحث وموضوع البحث يتعلق بمنطق العلم من حيث تحديد وإحكام البنية المنطقية لصوغ الفروض ومحكات قبولها، أو تعديلها، أو رفضها بموضوعية تنأى عن التحيز والهوى والإسقاطات اللاعلمية. العامل الثاني المختص بنوعية الظاهرة الإنسانية يتعلق بمنهج العلم الإخباري، أصوليات البحث التجريبي في تعامله مع الظاهرة. والمفروض أن دراستنا هذه تنصب على منطق العلم، فتحمل إمكانية درء العامل الأول، لكن التساوق المنطقي المنهجي يلزمنا بالعروج على منهج العلم ... منطق المنهج التجريبي في أكثر تطوراته حداثة التي تكشفت في ضوء ثورة العلم في مطالع القرن العشرين، ثورة النسبية والكوانتم.

وبالصورة المعاصرة لمنطق المنهج التجريبي سنلقى الطريق مفتوحا أمام إمكانية درء العامل الثاني. بهذا وذاك تتأتى إمكانيات حل مشكلة العلوم الإنسانية، على ضوء الخاصة المنطقية المميزة للعلوم الطبيعية وتساوقها

10

المنهجي. إن التحديد الدقيق لهذه الخاصة، وإيضاح مدى قدرتها على الإحاطة بمنطق النظرية العلمية الإخبارية، وما يستتبعها من فصل القول في إشكالية المنهج التجريبي، هذا من شأنه أن يرسم مشروعا واعدا، أو على الأقل يشق طريقا ممهدا لتحقيق الإحكام المتحقق في مباحث العلوم الطبيعية.

على أن الفصل بين عاملي المشكلة وأسلوبي معالجتها يكاد يكون مبدأ تنظيميا لهذه الدراسة فحسب، فهما في واقع الأمر أو واقع العلم ليسا منفصلين بهذه الحدة، وليس العامل الثاني في حد ذاته مقطوع الصلة بمنطق العلم. لو بدأنا منه؛ أي من نوعية الظاهرة الطبيعية الإنسانية، فسوف نلقى اختلافها وتميزها عن الظاهرة الطبيعية - أي تلك النوعية الخاصة - إنما تتمثل في أنها تختص بعنصر الوعي كثير المتغيرات، شديد التعقيد. وهذا في حد ذاته يمكنه أن يفضي بنا إلى قلب منطق العلم توا.

ذلك أنه تبعا لمنطق العلم - وليس تاريخ العلم - وعلى وجه التحديد تبعا لقاعدة العمومية

generality

المنطقية، ولا بد أن نسلم بالتقسيم أو التصنيف المبدئي للعلوم الإخبارية إلى ثلاث مجموعات كبرى، متدرجة منطقيا تبعا لدرجة عمومية موضوعها، وهي درجة تتناسب تناسبا عكسيا مع درجة تعقيده (أي تناسبا طرديا مع درجة البساطة). هذه المجموعات الثلاث - بالطبع بعد مجموعة أو نسق العلوم الصورية علوم المنطق والرياضيات - هي أولا مجموعة العلوم الطبيعية أو الفيزيوكيميائية، وثانيا مجموعة العلوم الحيوية أو البيولوجية. هاتان المجموعتان يمكن أن تندرجا معا في مجموعة علوم المادة - الجامدة والحية - وليقابلا معا المجموعة الثالثة وهي مجموعة العلوم الإنسانية.

تبعا لهذا نجد الفيزياء - وفي حوزتها الفلك - على قمة نسق العلم الإخباري، فموضوع الفيزياء مجرد المادة والطاقة في الزمان والمكان. هي إذن الأكثر عمومية، حتى إن موضوعات العلوم الأخرى زوايا في عالم الفيزياء، الذي هو إطار الكون ... مجمل عالم الظواهر، موضوع العلم أو العلوم الإخبارية. قوانين الفيزياء لهذا تنطبق على مجمل موضوعات العلم، فلا بد أن تسلم بمسلماتها كل فروع العلم الأخرى، ولكن العلم ينتقل إلى المجموعة الثانية، مجموعة العلوم الحيوية التي تدرس موضوعا أعقد من مجرد المادة. إنه المادة وقد أضيفت إليها القدرة على القيام بوظائف الحياة. فلا بد أن نضيف الفروض العلمية المختصة بظاهرة الحياة ووظائفها، ثم لكي يحيط العلم بالظواهر الإنسانية - وهي أعقد وأعقد - لن تكفي قوانين الفيزياء والبيولوجيا، وإن كانت بداهة تنطبق على الإنسان حين يسقط من عل وفقا لقانون سقوط الأجسام الفيزيائي، وحين تؤدي أعضاؤه وظائف الحياة وفقا لقوانين البيولوجيا، ومن أجل الإحاطة بالظواهر الإنسانية لا بد أن ينضاف إلى هذا وذاك قوانين، أو فروض، أو نظريات تتناول ظاهرة الوعي الجمعي بسائر تشكلاته وتمثلاته ونواتجه. ويمكن ملاحظة أن ذلك التدرج المنطقي للعلوم تبعا لمستوى تعقيد موضوعها يوازيه تدرج عكسي في مستوى تقدمها، ولعله أيضا تبرير منطقي لتدرج مستوى التقدم، فالفيزياء أكثر العلوم تقدما وموضوعها أبسط، والبيولوجيا درجة تقدمها أقل؛ لأن موضوعها أعقد، والعلوم الإنسانية درجة تقدمها أقل وأقل؛ لأن موضوعها أعقد وأعقد.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٢٦