تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

ويمكن القول أيضا إنها بوصفها ظاهرة موضوعها الإنسان العاقل، فهي ثنائية النسق، فكما أن للإنسان جانبا جوانيا باطنا، وآخر برانيا ظاهرا فلا بد أن ينقسم البحث إلى قسمين أحدهما براني يتعلق بما يتبدى للحواس، والآخر جواني هو غرفة العمليات.

2

هذه الثنائية تميزها عن الظواهر الطبيعية، وتجعل التجريب لا يصلح لها. وفضلا عن الظواهر الطبيعية، وتجعل التجريب لا يصلح لها. وفضلا عن كل ذلك ثمة عامل الحرية الإنسانية، والكثيرون يقيمون الهوة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية على أساس حرية الإنسان، دونا عن أي موضوع من موضوعات العلم في الاختيار، وتحديد المسير والمصير تحديدا يند عن سيطرة القوانين، إن لم ينقض فكرة القانون العلمي، ولعله يخضع للأغراض والغايات البعيدة في مقابل العلل الميكانيكية السابقة، «بالإضافة إلى أن التنبؤ لا يقع على غير الكليات الشاملة التي لا تصل إليها موضوعات العلوم الإنسانية.

3

والعلية لن تعود هنا موضوعية فحسب، بل أيضا شخصية؛ لأن موضوعات هذا العلم ليست مجردة، بل محسوسة حية وإنسانية بنوع خاص، كل هذه العوامل توضح الفارق الكبير بين موضوع العلوم الإنسانية وبين حدث كيميائي، أو كهربائي، أو حتى نظرية»،

4

في العلوم الطبيعية، وإليها يرجع الفارق الكبير بين درجة التقدم في الأولى ودرجته في الثانية. ولعل أشهر الصعوبات التي تختص بها العلوم الإنسانية هو ما يسمى بتفرد

Uniqueness

الظاهرة، ومحاولة التجريد والتعميم وإسقاط خصوصية الظاهرة، وتميزها قد ينطوي على تشويه لطبيعتها.

5

ويتصل بهذا ما يسمى بالتغيير السهل السريع للظواهر الإنسانية أو الاجتماعية.

6

وكل هذا «يجعل الاطراد في مجالها أقل ظهورا منه في الظواهر الطبيعية، ما يتعذر معه أن نعزل جانبا من جوانب البحث - كما نفعل في البحوث الطبيعية - عزلا يمكننا من تتبع ذلك العامل وحده في تكرار وقوعه، فإذا نحن اضطررنا إلى الاقتصار على مشاهدة الوقائع في حالة تركيبها دون تحليلها إلى عناصرها عنصرا عنصرا، وجدنا تلك الوقائع ذات طابع لا يحتمل لها أن تتكرر تكرارا يتيح لنا الفرصة أن نلحظ الاطراد فيها. فعالم الاجتماع مثلا لا يستطيع - كما يستطيع زميله العالم الطبيعي - أن يعيد الظاهرة التي هي موضوع بحثه، كلما أراد أن يخضعها للمشاهدة؛ لأن الظواهر الاجتماعية فريدة في نوعها، تجيء كل ظاهرة منها مرة واحدة، ثم تمضي فتصبح حادثة تاريخية لا يتكرر حدوثها»

7

كل هذه الفوارق بين العلوم الإنسانية والطبيعية

8

تثير الشك في إمكان وجود قوانين تحكم ظواهر العلوم الإنسانية؛ أي وجود تماثلات مختلفة في أوقات مختلفة، تستعمل كبينة على قوانين مطردة للجنس البشري في كل الأوقات، وتحت كل الظروف، وهذه التماثلات تفترض مسبقا وجهة نظر الباحث، بالإضافة إلى أن صياغتها في قانون تحتاج عددا كبيرا من المتغيرات، يبعد عن أن تكون دالة بسيطة كقوانين الطبيعة.

ويمكن أن نضيف إلى هذه العوامل ما يعرف بمعوقات البحوث الإنسانية، لا سيما في البلاد المتخلفة من قبيل ضعف التمويل نتيجة التشكيك في جدواها وحصائلها التطبيقية، مقارنة بالعلوم الطبيعية. والانبهار بالآلة عنوان التقدم، لحد اعتبار الدراسات الإنسانية ترفا يمكن - بل يجب - تأجيله! وانعدام التخطيط والتساوق بين هيئات البحث. وثمة نظام التعليم وإعداد كوادر الباحثين، الذي يركز على باحثي العلوم الطبيعية، ويخصهم بالقروض والمنح والبعثات والمراكز دونا عن باحثي العلوم الإنسانية، فتستأثر الأولى بالطلبة النابهين، وربما تعنينا بصفة خاصة أمثال هذه المعوقات؛ لأنها - كما ذكرنا - تتركز في الدول المتخلفة أو النامية، والواقع أن الموقف في قضية العلوم الإنسانية يماثل الموقف من قضية المرأة من حيث إنه يصلح مؤشرا شديد الدلالة على درجة نمو الوعي العام، ومن ثم درجة التقدم الحضاري، نظرا لمعامل الارتباط الثابت بين درجة الوعي ودرجة التقدم.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٢٥