لقد كان فييرآبند كفيلسوف بعد حداثي ناقدا جريئا حقا للاستعمارية ولأسطورة الغرب المعيار، وللحضارة الغربية العلمانية إجمالا، ربما لدرجة جديرة بالإعجاب، ولكنه في سبيله لهذا غالى وبالغ في تفعيل مقولات النسبوية واللاسلطوية واللامقايسة، حتى كاد مفهوم «التقدم العلمي» ذاته يفقد معناه، والأخطر أن فييرآبند بذينك المغالاة والشطط، قد جار كثيرا على حدود منطقية مصونة للعلم، ترتد إلى مفهوم المنهج العلمي، فكان أن شن حربه التفكيكية الشعواء على هذا المفهوم الأثير.
عن طريق تفعيل اللامقايسة التي قال بها كون والإسراف فيها يرفض فييرآبند حتى سلطة العلم الراهن في مضمار المعرفة العلمية ذاتها، يتمسك بأن تحتفظ كل نظرية بمكانها في تاريخ العلم وفي الوعي العلمي، كل نظرية لها دورها، والحكم عليها يجب أن يكون بالنسبة إلى سياقها، لظروفها وتحدياتها؛ لأن النظرية العلمية في جوهرها محض طريقة للنظر إلى العالم، توضع بجوار طرق أخرى، ويشدد على قدرة النظريات القابعة في تاريخ العلم على إخصاب الواقع العلمي الراهن، وطرح مداخل ومنظورات مختلفة لحل المشكلات المطروحة للبحث، ويواصل شططه، ليزعم أن اللامقايسة ليست بين النظريات فحسب، بل أيضا بين الأنماط المعرفية ذاتها، فلا يعود ثمة مبرر لادعاء الأفضلية المطلقة للعلم على أشكال المعرفة الإنسانية الأخرى، إنها شكية التفكيكية وجنوحها للإطاحة بكل الثوابت في مغامرة غير مأمونة العواقب.
شطحات التفكيكية كثيرة، ومعظمها مما لا يقبله المنطق. والمشكلة مع مفهوم المنهج العلمي أنه لا ينفصل عن منطقه، فلا يمكن نفي العقلانية التجريبية، قد لا نكتفي بها ولكن لا يمكن إلغاؤها. نفيها أو إلغاؤها يعني أننا لا نتحدث عن المشروع العلمي أصلا! وهذا خلف محال، فعن أي منهج نتحدث؟! على أية حال، انتهى فييرآبند إلى أن العلم مجرد تقليد معرفي ضمن تقاليد معرفية عدة، والعقلانية التجريبية منهج للعلم ضمن مناهج عديدة له، وكما ذكرنا تلك قضية مثيرة لجدل لا ينتهي، والحق أن فييرآبند نفسه أكثر فيلسوف علم مثير للجدل على الإطلاق، اندفاعاته الفلسفية بلا حدود، أعلن أن هدفه حماية العلم من شوفنية الروح العلمية وطغيانها، وحماية الفلسفة من أساتذتها المحترفين إياها، وحماية الحضارة الغربية من توجهها الغربي. باق أن نقول: وكان يريد قبلا أن يحمي مفهوم المنهج العلمي من عقلانيته وتجريبيته!
الأجدى أن ننتقل الآن إلى المعامل الثاني، الذي جعل ميثودولوجيا ما بعد الحداثة أو الميثودولوجيا الراهنة، تقدم مفهوما للمنهج العلمي أكثر تكاملا، نابضا حقا بالحيوية والفاعلية والخصوبة والدفء، وقد بلغ هذا ذروته مع الفلسفة النسوية. (4) مفهوم المنهج العلمي: رؤية نسوية
النسوية من أبرز المعالم التي صاحبت مجيء القرن الحادي والعشرين، وتمثل الآن واحدا من أهم اتجاهات الفكر الراهن والفلسفة المعاصرة. النسوية ليست مذهبا، بل هي تيار أو اتجاه، يضم مذاهب عديدة، أحيانا تكون نقاط الاختلاف بينها أكثر من نقاط الالتقاء، ولكنها جميعا، وبمجامعها، تشارك في معركة فييرآبند المقدسة، أو بالأحرى معركة ما بعد الحداثة، ضد فلول الاستعمارية والمركزية الغربية، واتخاذ العلم الغربي الحديث ذريعة لهذا وذاك.
13
وتستبسل النسوية من أجل خلخلة التصنيفات القاطعة للبشر، بما تنطوي عليه من بنية تراتبية هرمية (هيراركية)، سادت لتعني وجود الأعلى والأدنى، المركز والأطراف، السيد والخاضع، امتدت في الحضارة الغربية من الأسرة إلى الدولة إلى الإنسانية جمعاء، فكانت أعلى صورها في الاستعمارية والإمبريالية، وتعمل على فضح وتفكيك كل هياكل الهيمنة والاستبداد وأشكال الظلم والقهر والقمع، وإعادة الاعتبار للآخر المهمش والمقهور، والعمل على صياغة الهوية وجوهرية الاختلاف، والبحث عن عملية من التطور والارتقاء المتناغم، الذي يقلب ما هو مألوف ويؤدي إلى الأكثر توازنا وعدلا.