uncommensurability
أي عدم قابلية النظريات العلمية للقياس المتكافئ: للحكم عليها بالمقاييس نفسها وتقييمها بالمعايير نفسها. لكل نظرية إطارها ومفاهيمها وعالمها، أو باختصار نموذجها الإرشادي، ويبدو تاريخ العلم كسلسلة من النماذج المتوالية. والعلم في النهاية صنيعة بشر يعيشون في أزمنة معينة وأمكنة محددة. والنموذج الإرشادي بمثابة أيديولوجيا المجتمع العلمي ذاته، التي تصنع تماسكه وتجانسه في الحقبة التاريخية المعنية. إن التماسك والإجماع واتفاق الأحكام أروع الخصائص المميزة للمجتمع العلمي، تضمحل معها احتمالات الصراع، الذي يبدد الوقت والجهد، كما يحدث في مناشط أخرى شتى، فيهتف جاستون بشلار: «أي تفاهم ضمني يسود الحاضرة الطبيعانية.»
9
بمعنى مجتمع العلوم الطبيعية، وطبعا مجتمع العلوم الرياضية أيضا وقبلا.
على أن توماس كون يؤكد على مساحة عريضة من التشارك بين ممارسات المنهج العلمي ونموذجه الإرشادي وبين أيديولوجيا المجتمعات التي أنتجت العلم. واللافت حقا أن مفهوم البرادايم أو النموذج الإرشادي خرج من رحاب فلسفة العلم، وحقق شيوعا وذيوعا نادرين في مجالات شتى، وهذا المفهوم يوضح كيف كان توماس كون شديد العناية بالنواحي الأيديولوجية والسوسيوسيكولوجية والقيمية والالتزامات الخلقية وأصول التنظيم والإدارة ... إلخ للظاهرة العلمية، من حيث هي - ببساطة - ظاهرة في عالم الإنسان؛ فتلك هي أبعاد الظواهر الإنسانية. ولا يقنع كون بأي خلاف جوهري بين التطور في الفنون والآداب والنظم السياسية والإنسانيات والتقدم في العلم. وله دراسة صريحة حول العلاقة أو التشابه والتماثل بين هذا وذاك.
10
ربما كان ثمة إرهاصات سابقة، ولكن ما كان يتأتى هذا التماثل بثقة إلا في عصر ما بعد الحداثة. •••
ويتقدم باول فييرآبند
P. Feyerabend (1924-1994م) الذي يمكن اعتبار فلسفته تمثيلا لما بعد الحداثة في قضية مفهوم المنهج العلمي. اشتط وحاد في ترجمة درس توماس كون العظيم، ليكون حامل لواء ما أسميناه المعامل الأول المثير للجدل، الذي يحاول إزاحة العقلانية التجريبية من مركزها، وإسقاط الولاء العلمي لها، زاعما أن مفهوم المنهج العلمي ليس واحدا، حتى انتهى إلى أنه لا تحديد لمثل هذا المفهوم أصلا! وذلك في كتابه الشهير «ضد المنهج: مخطط تمهيدي لنظرية فوضوية في المعرفة» (1975م)، الذي يرمي إلى إثبات أن العلم لم يكن أبدا أسير منهج واحد محدد، بل هو مشروع أناركي
Anarchic Enterprise ؛ أي مشروع فوضوي لا سلطوي
11
لا يعترف بأية سلطة، «وكل المناهج يمكن أن تجدي فيه»،
12
تبعا لشعار فييرآبند الشهير: كل شيء مقبول
Anything goes . وانكب على تأكيد النسبوية والتعددية المنهجية. كل منهج مقبول على الرحب والسعة، طالما يلائم طبيعة المشكلة المطروحة للبحث، فيؤدي إلى حلها والإضافة إلى رصيد العلم، أما تكبيل البحث العلمي بمنهج واحد محدد، فهذا ضد الإبداع، يخنق روحه الضرورية للإنجاز في العلم، والإجماع على رأي واحد - بشأن منهج واحد - يناقض طبيعة نشاط عقلاني على الأصالة كالعلم التجريبي.
من السهولة بمكان أن نتبين في هذا محاولة تفكيكية صريحة، من حيث إنها تنكر أي تعريف نهائي للمفهوم، وأي ارتباط حاسم بين دال ومدلوله، وتزعم - على دأب التفكيكيين - كشف الآليات المراوغة التي تسعى إلى الاستئثار بالسلطة المعرفية، فيواصل فييرآبند مساره الفوضوي اللاسلطوي، حتى يرفض تنصيب السلطة المعرفية للعلم بالذات، فيجاهر بأن العلم الحديث ليس نظاما مقدسا، يستلزم الكفر بما عداه، بل هو نظام عقلاني وجب أن ينمو ويزدهر وسط الأنظمة المعرفية الأخرى، إنه شكل من أشكال عديدة للمعرفة، وجب أن يتسع لها جميعا المجتمع الديمقراطي الحر، ولا ينبغي أن يكون ذريعة لفرض النموذج الحضاري الغربي ووأد الثقافات الأخرى، لا سيما ثقافات العالم الثالث، فتحرم البشرية من خصوبة وثراء وتعدد جوانب، إن نعمت بها تنعم بالعلم أكثر. لماذا نجعل العالم الغربي مطية للخواء والإجداب، حين نقهر الثقافات الأخرى تحت اسمه المجيد، حتى لا يبقى سوى الحضارة الغربية؟!