يعد كارل بوبر أهم فلاسفة المنهج العلمي والميثودولوجي الأول في القرن العشرين، وكان من أسبق وأقدر الذين تمثلوا الأبعاد الإبستمولوجية والميثودولوجية لثورة النسبية والكوانتم . وكما أشرنا فيما سبق، يحدد بوبر الخاصة المنطقية المميزة للنظرية العلمية بأنها القابلية للاختبار التجريبي والتكذيب. وهذه الخاصة تمثيل منطقي للمنهج الفرضي الاستنباطي، ولطبيعة التفكير العلمي كفرض يفرضه العقل على الواقع، وليس يستقرئه من الواقع. يرى بوبر أن المعرفة على العموم والمعرفة العلمية على أخص الخصوص بناء صميم طبيعته الصيرورة، التقدم المستمر، فلا تكون نظرية المنهج العلمي نظرية في تبريره، بل في أسلوب هذه الصيرورة أو كيفية التقدم المستمر، الأسلوب أو الكيفية هو ما يعرف بالمنهج العلمي، ومن ثم تكون فلسفة العلم هي نظرية المنهج العلمي، هي ذاتها منطق الكشف العلمي.
كارل بوبر يصوب الأنظار إلى منطق الكشف العلمي واللحظة الدراماتيكية الكبرى المتمخضة عن الجديد، لحظة التكذيب والتفنيد. ومن خلال منطق التكذيب والتصويب، تغدو فلسفة المنهج العلمي، هي منطق قابلية العلم المستمرة للتقدم، بحيث تكون قواعد البحث العلمي - كما يؤكد بوبر - قواعد مباراة هي من حيث المبدأ بلا نهاية، أما العالم الذي يقرر يوما ما أن العبارات العلمية، أصبحت لا تستدعي أي اختبارات أخرى، ويمكن أن نعتبرها متحققة بصورة نهائية، فإنه ينسحب من المباراة.
إن كارل بوبر في فلسفته الحصيفة للمنهج العلمي، لا يعنى البتة بتبرير المعرفة العلمية أو حدود صدقها وصحتها، بل يعنى فقط بنموها وكيفية تقدمها، أكد تأكيدا مشددا أن المنهج العلمي ليس البتة منطقا للتبرير والتحقق أو المواءمة، بقدر ما هو منطق للكشف والتقدم المستمر. يقول بوبر: «إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي يقوده إلى النجاح، فلا بد أن يصاب بخيبة أمل، ليس هناك طريق ملكي للنجاح. وأيضا إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي كطريق لتبرير النظريات العلمية، فسيصاب أيضا بخيبة أمل، النظريات العلمية لا يمكن أن تبرر، إنها فقط تنقد وتختبر.»
5
وفي تعريف جامع لنظريته في منهج العلم يقول: «المنهج العلمي هو منهج المحاولة والخطأ، منهج اقتراح فروض جريئة وتعريضها لأعنف نقد ممكن، كي ما نتبين مواضع الخطأ فيها.»
6
حرص كارل بوبر على إثبات أن البدء بالملاحظة لا يفضي إلى شيء، بل هو فكرة مستحيلة أصلا، وبالتالي فإن الاستقراء التقليدي لا يصف ما يفعله العلماء، ولا ما ينبغي أن يفعلوه، ولا حتى ما يمكن أن يفعلوه. يوضح بوبر هذا بأقصوصة عن رجل كرس حياته للعلم، فأخذ يسجل كل ما استطاع أن يلاحظه، ثم أوصى أن تورث هذه المجموعة من الملاحظات، لكي تستعمل كدليل استقرائي! فطبعا لن تفيد العلم في شيء، ولن تفضي إلى شيء، وإذا افترضنا كمبيوتر يقوم بدور آلة استقرائية، فيجمع المعطيات الحسية المتماثلة ليعممها في قانون، فإن عمله هذا مستحيل بدون فرض مسبق، لا بد قبلا من برنامج يحدد للكمبيوتر ما أوجه التماثل التي يبحث عنها، ومتى يأخذ الوقائع التجريبية على أنها متماثلة. لقد بدأ بوبر إحدى محاضراته في فيينا بأن قال لطلاب الفيزياء: «أمسك بالقلم والورقة، لاحظ بعناية ودقة، سجل ما تلاحظه.» بالطبع تساءل الطلاب عما يريدهم بوبر أن يلاحظوه، وهنا أوضح لهم كيف أن «لاحظ!» فحسب لا تعني شيئا، العالم لا يلاحظ فحسب، الملاحظة دائما منتقاة، توجهها مشكلة مختارة من موضوع ما، ومهمة محددة، واهتمام معين ووجهة من النظر نريد من الملاحظة أن تختبرها. المشكلة المطروحة للبحث هي ما يبدأ به العالم، وليس الملاحظة الخالصة كما يدعي الاستقرائيون، فماذا عساه أن يلاحظ ويسجل؟ بائع جرائد ينادي وآخر يصيح، وناقوس يدق ... أم يلاحظ أن كل هذا يعرقل بحثه؟