تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت كل خطوة يحرزها العلم آنذاك إنما هي نجاح ملموس، يؤكد فرضية الاستقراء والبدء بالملاحظة، ويتأكد بها. وفي هذه الأجواء المشبعة بنشوة الظفر والنجاح العلمي الحديث، جاء هيوم ليثير التساؤل حول السببية، ويفجر مشكلة الاستقراء.

وكان هذا حدسا عميقا لأن الظروف الحضارية والقصورات المعرفية، هي التي أملت البدء بالملاحظة، في حين أن العقل هو سيد الموقف العلمي: يبدأ بفرض ما يتجه منه إلى الملاحظة. وانقشعت أوهام الاستقراء والمصادرة على البدء بالملاحظة باقتحام عالم الذرة وما دون الذرة؛ حيث يتعامل العلم التجريبي مع كيانات غير قابلة للملاحظة أصلا، فلا يمكن رصد جسيمات الذرة لكي نخرج بتعميم استقرائي لما لاحظناه أو رصدناه، يمكن فقط رصد آثار الجسيمات على الأجهزة المعملية. إذن لا بد من فرض قبلا لنستنبط منه ما يلزم عنه، نصمم التجربة على أساس الفرض، أو بالأحرى نصممها لاختبار الفرض عن طريق المقارنة بين النتائج المستنبطة من الفرض وبين الآثار المرصودة معمليا. هكذا يأتي دور الملاحظة المعملية التجريبية بعد الفرض، وانتبهنا أخيرا إلى أن أحدا من العلماء - قديما أو حديثا - لم يدخل البتة معمله، إلا بناء على فكرة أولية أو فرض ما مطروح قبلا. بدون فكرة مبدئية، كيف ولماذا يدخل المعمل؟ لقد انقلبت نظرية المنهج العلمي رأسا على عقب، ليغدو الفرض قبل الملاحظة، يختبر وينقح ويعدل عن طريقها ... فيما يعرف بالمنهج الفرضي الاستنباطي. (3) المنهج فرضي استنباطي

قد تستعمل لفظة الاستقراء الآن للدلالة على التجريب بشكل عام وتتبع وقائعه، ولكن من حيث المصطلح الميثودولوجي المتخصص، يعني الاستقراء نظرية البدء بالملاحظة التي كانت. وليس المنهج العلمي التجريبي هو الاستقراء الكلاسيكي، بل المنهج الفرضي الاستنباطي

Hypothetical deductive Method

يبدأ بفرض صوري عام، لا يشتق من الخبرة ولا يخضع هو ذاته للتحقيق التجريبي المباشر، فيلجأ الباحث إلى منهج الاستنباط، كي يستنبط منطقيا ورياضيا النتائج الجزئية التي تلزم عنه، إنها تنبؤات الفرض، ويأتي التجريب ودور الملاحظة فيقابل الباحث بين النتائج المستنبطة من الفرض وبين وقائع التجريب، إن اتفقت معها تم التسليم المؤقت بالفرض، وإن لم تتفق يكون تعديله أو الاستغناء عنه والبحث عن غيره، مع ملاحظة أن مصدر الفرض لا يعنينا؛ فقد يأتي به العالم من الحصيلة المعرفية السابقة أو من وقائع التجريب، أو من صفاء ضوء القمر أو رؤية وجه المحبوبة، أو من أي أين تستطيع العقلية العلمية المبدعة الخلاقة أن تستلهمه فرضا. الفرض العلمي إبداع إنساني أصيل، لا طريق مرسوما سلفا إليه، المنهج العلمي لا يرسم طريقا محددا إلى الفرض، بل هو آلية التعامل مع الفرض، آلية الاختبار التجريبي، آلية التفاعل بين الفرض والملاحظة أو بين العقل والحواس.

في علوم الفيزياء تحديدا نجد الاستدلال الرياضي، وهو عملية استنباطية، إنما يمثل العمود الفقري للمنهج العلمي، وأهم من وقائع التجريب ذاتها، خصوصا حين نقترب من الفيزياء النظرية أو البحتة. ليس التجريب مقابلا تماما للاستنباط، أو يستبعده كما كان الحال مع الاستقراء. والفروض العلمية الآن لم تعد تحكم وقائع بقدر ما تحكم قوانين وعلاقاتها ببعضها. المنهج العلمي التجريبي لا يعني تهميش دور العقل، كما كان يفعل الاستقراء التقليدي؛ فقد عاد الاستنباط ليحتل موقعا محوريا. انهار التصور الحتمي للكون وكأنه يسير كما تسير الآلة الميكانيكية، وارتفع لواء اللاحتمية واللايقين واللاتعين والمنطق الغائم ونظرية الشواش، ويظل المنهج تجريبيا والعلم تجريبيا، من حيث إن العالم التجريبي هو المحك النهائي الذي يشهد على النتائج المستنبطة ليتقرر مصير الفرض. إن مفهوم المنهج التجريبي في حقيقته، هو التآزر الجميل حقا بين إمكانيات العقل وقوة التجريب. •••

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ٢٩