تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

48

هكذا رفض جيمس الحتمية رفضا جذريا، وأخرج كتابه

The Dilemma of Determism «معضل الحتمية» ليوضح تناقضها مع ذاتها ومع القضايا المتصلة بها، بل ومع طبيعة الوجود، والطرق المغلقة أمامها، مثبتا أن بعض التركيبات الفلسفية المعينة (المقصود الحتمية) نزوات شخصية تنم عن الهوى، عبقة بالذوق الفردي في حين أن بعض التركيبات الأخرى، تلك التي تعمل بالعناصر المحسوسة، وبالتغير، باللاحتمية ... هي أكثر موضوعية، وأكثر تشبها بجبلة الطبيعة نفسها،

49

ذلك هو موقفه الفلسفي الصريح، ولكن - كما ذكرنا - ظروف عصره لم تكن تسمح له بوصفه عالما مسئولا بالتسليم باللاحتمية العلمية كقاعدة للبحث العلمي؛ لذلك جاء ليقول: «علم النفس على أية حال، من حيث إنه يجب أن يكون علما لا بد وأن يماثل أي علم آخر فيسلم بالحتمية الكاملة في وقائعه، ثم يستخلص بعد هذا آثار الإرادة الحرة، وذلك ما سأفعله في هذا الكتاب، وليكن معلوما على أية حال، أن هذا الإجراء على الرغم من أنه حيلة منهجية يبررها الاحتياج الذاتي لترتيب الوقائع في صورة بسيطة وعلمية، لا يحسم القول بطريقة أو بأخرى في الحقيقة النهائية لبحث حرية الإرادة».

50

إذن فلندع علم النفس يقر صراحة بأنه يمكن أن ينادي بالحتمية من أجل أغراضه العلمية، ولن يستطيع أحد أن يجد خطأ في هذا الزعم، ولكن إذا انقلب الأمر فيما بعد، بحيث تصبح هذه الدعوى فقط ذات أغراض نسبية ومن الممكن أن تواجهها دعاوى معارضة، فلا بد وأن نعيد تقييم الموقف، وها هنا يصبح الفرض الحتمي محض فرض منهجي مؤقت، فكل العلوم الخاصة تتناول معطيات مليئة بالغموض والتناقض ولكن يمكن تجاوز هذه المثالب من زاوية أغراضها؛

51

وعلى هذا نتجاوز عن مثالب وتناقضات الحتمية العلمية؛ لأجل الأغراض المنهجية الخاصة بعلم النفس أو غيره من العلوم.

هكذا كان تقليص وليام جيمس لفرض الحتمية العلمية نظريا إلى الحد الأدنى المنهجي. ••• (34) وقد أردف هذا التقليص النظري بتقليص تطبيقي لنجد الحرية معه نظرة وظاهرة، أو فكرة وواقعة، أي كائنة في هذا العالم الذي نحيا فيه، ونحاول فهمه بواسطة العلم، فلا هي منفية بالسلب ب «لا» ولا هي منفية خارج دائرة العلم والعالم.

وآية ذلك، أنه أتى في قلب العلم الذي تناوئه الحتمية، ووضع نظرياته التي تسير في ركابه وتدفعه إلى الأمام، وفي الآن نفسه تفسح لحرية الإنسان المجال، ليس فحسب، بل تعيها وتفهمها، فإذا تذكرنا أن الحتمية السيكولوجية أخطر ضروب الحتمية العلمية على حرية الإنسان؛ لأنها الحتمية المباشرة في نقضها للحرية، فسنجد جيمس يطرح دراسة علمية سيكولوجية للحرية متمثلة في الإرادة وذلك في كتابه «مبادئ علم النفس» سنة 1890، حيث يعالج علم النفس كعلم طبيعي، هذا الكتاب من أمهات الكتب ومن المعالم البارزة في تاريخ علم النفس، برغم التطورات التي أحرزها العلم بعده.

وكان جيمس قد سبق له أن نشر له عام 1862 مجلدا من الدراسات التجريبية عن إدراك الحواس، وبدأ يلقي محاضرات علم النفس كعلم طبيعي بعد أن تشرب بالاتجاهات الحديثة في أوروبا، ثم تبعها بدراسات فسيولوجية من لدنه، وأصبح واحدا من أوائل المعلمين الأمريكيين الذين اعترفوا بوجود علم النفس كعلم مستقل،

52

وهنا أيضا تبدو براعته في مصارعة الحتمية العلمية؛ لأن علماء النفس الأوروبيين الذين استقى جيمس من كتاباتهم إلى أكبر حد، كما يتجلى ذلك في الاستشهادات والمراجع المذكورة في كتاب «مبادئ علم النفس» هم سبنسر وهلمهولتز وفنت وبين، وجملتهم حتميون ينفون حرية الإنسان غير أن جيمس استخدمهم وأفاد منهم ونبذهم في آن واحد.

53

ثم أخرج ذلك الكتاب، الذي يقف على قمة المرحلة الثانية من تطور علم النفس، فقد كانت المرحلة الأولى من علم النفس التي ارتبطت بهيوم وستوت ترد الحياة النفسية إلى انطباعات تتلاقى بالتداعي عن طريق قوانين الترابط فتصبح أفكارا، فكأن العقل قابلية لا فاعلية أو صفحة بيضاء كما قال لوك، لا حيلة له فيما يتلقاه إلا أن يسجله على صفحته تلك. أما المرحلة الثانية فقد ربطت بين العقل وبين الحياة الفسيولوجية، وهذه هي المرحلة السيكوفيزيقية التي يبلورها كتاب جيمس.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٨٠