تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في عام 1892 جاهر بيرس بأن نظرية نيوتن حتى ولو كانت صادقة فإنها لا تعطينا أي مبرر للاعتقاد في الحتمية الشاملة، لقد اعتقد مع كل الفيزيائيين في عصره أن العالم ساعة مهيبة الانتظام، تسير وفقا لقوانين نيوتن، وعلى الرغم من هذا، رفض اعتباره هكذا حتى أدق تفاصيله ، فأشار إلى أننا لا نستطيع أن نعرف مثل تلك المعرفة التي يدعيها الحتميون، ومن ثم استنتج بيرس أننا أحرار في أن نحدس وجود لاتعين ما أو عدم اكتمال في هذه الساعة، فليس العالم في نظر بيرس محكوما فقط بقوانين نيوتن الصارمة، لكنه أيضا محكوم في أحايين معينة بقوانين المصادفة والعشوائية واللانظام، وعضد بيرس هذا بالإشارة الصائبة إلى أن كل الأجسام الفيزيائية خاضعة لحركات الجزيئات المماثلة لحركة جزيئات الغاز، هكذا كان بيرس أول فيزيائي وأول فيلسوف يأتي بعد نيوتن ويجرؤ على أن يقر بعنصر المصادفة واللاحتمية،

42

وقد فعل هذا لكي تكتمل إبستمولوجية اللاحتمية.

ولكي تكتمل أنطولوجية اللاحتمية أقر بموضوعية المصادفة، مؤكدا أن استقلال الوقائع أساس طبيعي لها. شن حربا شعواء على تفسير الحتميين الذاتي لها، فقال إن اعتبار المصادفة نتيجة للجهل أكثر فلسفات المصادفة شيوعا لأنها أكثرها ضحالة، يقول بيرس: «إنني لست في حاجة إلى أن أضيع جهدا في أشد محاولات التحليل ضعفا تلك التي تجعل المصادفة تتألف من جهلنا.» المصادفة إذن ليست اسما نخفي به جهلنا كما يقال، بل لها حقيقتها الموضوعية التي تقوم عليها كثير من النظريات العلمية مثل النظرية الحركية للغازات ونظريات الاقتصاد السياسي، والتي لا تتعارض مع قيام الانتظام بل قد تساعد على قيامه،

43

وفي النهاية جاء تحليله الفلسفي للمصادفة ليعد أرقى تصور للمصادفة الموضوعية، قبل النتائج الأخيرة لنظرية الكوانتم في القرن العشرين،

44

وفضلا عن هذه اللاحتمية العلمية الإبستمولوجية والأنطولوجية معا نجد بيرس مؤسس الديانة الرسمية لجيمس أي البرجماتية.

45

وأيضا أخذ جيمس من صديقه تشونسي رايت التأويل التالي للعلم: النظام المادي للطبيعة إذا أخذ ببساطة كما أصبح العلم يعرفه، لا يمكن حسبانه من حيث هو كاشف عن أي مقصد أحادي روحي متناغم كما تتصور الحتمية، ولكن مجرد جو كوني - كما أسماه رايت - في حالة تفاعل موصول ترتيبا وتفككا دون نهاية.

46

على أن الفضل الأساسي في اهتداء جيمس للاحتمية، لا يعود إلى أحد من هؤلاء أو من غيرهم، بقدر ما يعود إلى ظروف موضوعية أشمل وأعم، فقد قدر لجيمس أن يحيا في العصر الذي شهد تفاقم أزمات الحتمية العلمية فلم يصعب عليه نزع هيلمانها الطاغي وتقليم أظافرها، لقد كان الأمر اتجاها معاصرا يشترك فيه جيمس مع الآخرين، وله بالطبع أصول تاريخية، فجاء جيمس في كتابه «البرجماتية»، 1907، وأضاف إلى عنوانه «اسم جديد لمنهج قديم في التفكير».

وكما يوضح الفيلسوف الأمريكي بيري، سبب هذه الإضافة أن جيمس لم يخترع هذه الطريقة، وأن جذورها ليس فقط يمكن اقتفاء أثرها إلى الماضي البعيد وإنما تمثل اتجاها معاصرا يتضمن المنطق الحديث بتوكيده على الوظيفة الأدائية للأفكار؛ لتمييزها عن الوظيفة التمثيلية لها، ويتضمن مذاهب التطور والنسبية التاريخية التي تؤكد أهمية التغيير والمرونة والتكيف في المعرفة الإنسانية، وتشمل أيضا موضة الاحتمال.

47

والفروض في الطريقة العلمية التي أصبحت طراز العصر، وكلها أمور احتضنها منذ بدء حياته الفلسفية، وغني عن الشرح أن اللاحتمية العلمية أو بالأدق، الانشقاق على الحتمية العلمية، يكمن من وراء كل هذه القضايا، وفي صلبها.

ولكن لنلاحظ أننا حتى الآن ما زلنا قبل عام 1925، أي أن المجتمع العلمي لم يعتمد بعد مبدأ اللاحتمية، أو أنه لا يزال مبدأ وافدا، مجرد إرهاص بما يحمله المستقبل، وقد يبدو وكأنه بدعة، وأشد البدع ضلالة، ونظرا لهذه الظروف التي لم تتوطد بعد لللاحتمية العلمية، فإن جيمس لم يأخذها كمسلمة انتهينا إليها، بل كقضية فلسفية أفضل من معارضتها، وأصوب، ويكفينا أنه أتى في وقته واتخذها بحماس فلسفي منقطع النظير كاشفا بهذا عن استباق للعصر، ومقدرة على استيعاب الأفكار الواردة واستشراف مستقبلها الخصيب، لم يتوجس جيمس من اللاحتمية خشية كما فعل كثيرون من معاصريه، ولا يزال يفعل بعض من معاصرينا، بل آمن به وآمن بتدخل عنصر المصادفة في بنية العالم، ورأى أنا الاطراد نفسه ليس إلا إحصائيا، وإذا كانت القوانين الصغرى تفترضه مقدما فإن الطبيعة لا يمكن أن تكون مطردة إلا بصورة تقريبية جدا.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٧٩