وها هنا نلاحظ أن الخطورة الفلسفية لمبدأ الحتمية العلمية، أتت من التجادل بين كونه أنطولوجيا وإبستمولوجيا (أي وجوديا ومعرفيا) في آن واحد، إنه تصور لطبيعة العلم وطبيعة قوانينه، ولا غرو، فهذا صورة لذلك كما أوضحنا.
أنطولوجيا:
تعني الحتمية أن نظام الكون مطرد ثابت شامل، لا يشذ عنه في أي زمان ولا في أي مكان شيء، فهو ذو علاقات علية (سببية) ضرورية ثابتة، تجعل كل حدث من أحداثه نتيجة ضرورية (معلولا) لما سبق، ومقدمة شرطية (علة) لما سيلحقه، وبالتالي فكل ظاهرة فيه وكل حدث وكل واقعة ... محكومة بشروط تلزم حدوثها اضطرارا، أي خاضعة لقانون محدد، ولا شيء البتة يحدث كمصادفة.
وإبستمولوجيا:
تعني الحتمية عمومية قوانين العلم وثبوتها واطرادها، فلا تخلف ولا اتفاق ولا عرضية ولا استثناء، ولأن كل حدث محتوم وسواه مستحيل، فإن كل تنبؤات العلم يقينية، وهكذا كل قوانينه ونظرياته، يقين في يقين في يقين، واليقين هو التحديد المطلق الجازم الذي لا خطأ فيه ولا احتمال البتة، إنهم يعملون بالرياضيات الإقليدية، فلا يعرفون إلا قيمتي الصدق والكذب ولا وسط بينهما، وصحيح أن الظواهر التي بدت مصادفة وموضع احتمال قد لفتت أنظارهم، حتى إن رجالات ذلك العصر هم مؤسسو الإحصاء وحساب الاحتمال، إلا أنهم فسروه تفسيرا ذاتيا - أي بإرجاعه إلى الذات العارفة وليس موضوع المعرفة، إلى الإنسان وعجزه عن إدراك العلل الحقيقية، نسبة الاحتمال إذن تعبر عن الجهل فالعلم لا يكون إلا يقينا، وهي مسألة مؤقتة ستضمحل بالتقدم العلمي، لنصل يوما ما إلى اليقين في هذه الظواهر كما وصلنا إليه في سواها، إن اليقين هو التمثيل العيني للعلم بعالم يسير في مسار محتوم.
وقد أصبح يقين العلم - وبالتالي حتميته - مسألة مثبتة حينما أصبح العلم رياضيا، فالرياضيات دائما هي النموذج الأمثل للضرورة ولليقين المطلق، على سطح الأرض وتحته وفي المريخ، وفي كل مكان في الدنيا وفي الآخرة ... تظل دائما «2 + 2 = 4» ويظل المثلث شكلا محوطا بثلاثة أضلاع؛ لأن نفي هذا يعني نفي أن المثلث مثلث! وطالما أمكن التعبير عن القوانين الفيزيائية في صورة معادلات رياضية، فمعنى ذلك أن الضرورة الرياضية قد تحولت إلى حتمية كونية، ولما أصبحت الرياضيات هي لغة العلم الحديث، اتضح أن الضرورة الحتمية هي نظام العالم.
والواقع أن السمة الرياضية هي التي قلبت الحتمية من مبدأ فلسفي - يمكن أن تختلف بشأنه وجهات النظر - إلى مبدأ علمي صريح، لا بد وأن يسلم به الجميع تسليمهم بالعلم.
أما الفارق بين الحتمية العلمية وبين الجبرية الدينية، فيتمثل في العلية (السببية)، وهي المبدأ القائل إن كل حدث لا بد له من علة أحدثته، والعلية مبدأ متوشج في الحس المشترك - أي في تفكير الإنسان العادي - وأيضا في الفكر الفلسفي، ولكنه اتخذ موقع العمود الفقري في العلم الحديث، إن العلم الحتمي هو العلم العلي؛ لأن حتمية الظاهرة لا تعدو أن تكون العلة التي تحدثها، وبالتالي أصبحت مهمة العلم الحديث هي تعليل كل الظواهر، وتحديد علة كل حدث، أما التسليم بحدث بغير علة، فليس يعني إلا إنكار العلم بها، وتتلخص كل قوانين العلم في أحكام علاقة العلة بالمعلول، لتتخذ جميعها الصورة المنطقية: إذا كان ... فإن ... دائما طبعا.
وطالما أن لكل حدث علة أحدثته، وهو بدوره معلول لها، فإن واقع الكون الراهن معلول ضروري لوضعه اللاحق، فتسير أحداث الكون في تسلسل علي، يجعلها أشبه بسلسلة محكمة الحلقات، تفضي كل حلقة إلى - وفقط إلى - لاحقتها، مثلما تنشأ عن - وفقط عن - سابقتها، وبالتالي فالكون نظام مغلق، مساره مرسوم منذ أن تخلقت الحلقة الأولى في السلسلة، إن التسلسل العلي يجعل مجرى الأحداث قد حتمته اللحظة الأولى لهذا الوجود، ومنذ أن تحددت هذه اللحظة، تحددت كل الأحداث التالية، والكون عليه أن يسلك طريقا واحدا لا سواه، طريقا محتوما؛ لهذا لا تعد العلية مجرد عنصر أو بعد من أبعاد الحتمية، بل إنها الحتمية عينها، أو بالكثير الوجه الآخر لها، حتى إن المصطلحين - الحتمية والعلية - كثيرا ما يستعملان كمرادفين.