وهذا بأن نتجاوز العوامل المعاصرة التي أملت المنظور العالمي دون سواه، وندلف إلى العوامل الآتية من ميراث مشكلة الحرية ... من ماهيتها وطبيعتها، والمواقع التي استثارتها في تاريخ الفلسفة، وهي عوامل أقوى وأسطع تؤدي مباشرة إلى المطلوب، إذ تلقي بنا توا في قلب المشكلة، فتاريخها الحقيقي، بوصفها مشكلة فلسفية فعلا، بل والمشكلة الفلسفية الأولى التي تمثل معضلا عسيرا يقض مضاجع الفلاسفة أجمعين، ويوجه خطا فلسفاتهم ويحدد معالمها ... هذا التاريخ بداية حاسمة للعلم الحديث في القرن السادس عشر.
ذلك أنها - أي مشكلة الحرية الإنسانية في صورتها الأنطولوجية التي اتفقنا على أنها موضوعنا - تتأتى من، وفقط من مبدأ الحتمية
Determinism
الذي ينفيها.
فمنطوق المشكلة كالآتي: إما أن الإنسان حر يمكن أن يمارس اختيارا بين بدائل متاحة أمامه، وإما أن هذا الوجود خاضع لحتمية حددت مساره أزلا وأبدا، فحتمت كل حدث من أحداثه بحيث لا بد وأن يحدث، ويستحيل أن يحدث سواه، فلا بدائل وبالتالي لا اختيار أمام الإنسان الذي يحيا في هذا الوجود.
ولولا افتراض الحتمية هذه لما كان لمشكلة الحرية الأنطولوجية أن تقوم، فضلا عن أن تكون الفلسفة الأولى، ولكنها كانت هكذا لأن مبدأ لم يلعب في تاريخ الفكر البشري دورا يماثل أو حتى يداني الدور الذي لعبه مبدأ الحتمية في تاريخ العلم الحديث (من القرن 16 إلى نهايات القرن 19). •••
بل ولم تكن الحتمية مجرد مبدأ من مبادئ العلم وحسب، إنها سيطرت على النسق العلمي، وعلى عمل العلماء، وتغلغلت في صميم نسيج العلم، بحيث أصبحت اللحمة، وسداها سائر النظريات والفروض ومجمل النشاط العلمي.
فقد أضحت الحتمية ركيزة يرتكز عليها العلم، وفي الوقت نفسه هدفا منشودا يسعى للوصول إليه، وبين هذا وذاك تجدها أيضا المحك المعتمد طوال الطريق العلمي.
وهذا ما عبر عنه عالم الفسيولوجيا الفرنسي كلود برنار
Claude Bernard (1813-1878) في كتابه «مدخل إلى دراسة الطب التجريبي» (عن الترجمة العربية، ص43 وما بعدها)، قائلا: «أما عن كونه الركيزة، فكما أن الإنسان في حالة المشي الطبيعي للجسم لا يستطيع السير إلا بوضع قدم أمام الأخرى، فإنه كذلك في حالة السير الطبيعي للذهن، لا يستطيع التقدم إلا بوضع فكرة أمام الأخرى، وهذا معناه أنه لا بد للذهن من نقطة ارتكاز أولى، شأنه في هذا شأن الجسم سواء بسواء، ونقطة الارتكاز هذه هي مبدأ الحتمية المطلقة، ولولاها لكان قد قضي على الإنسان وعقله أن يدور في دائرة مفرغة وألا يتعلم شيئا قط.» هكذا آمن العلماء، ولم يكتفوا بأنه الأساس، بل سلموا أيضا بأن الغرض الأول من كل دراسة علمية تجريبية أيا كان موضوعها هو «الوصول إلى الحتمية الشاملة، والتي هي الحقيقة المطلقة»، وبالتالي هدف العلم النهائي، وفي غضون الطريق السائر من ذاك الأساس إلى الهدف المنشود، يظل مبدأ الحتمية هو أيضا المحك التجريبي، فالعلاقات الحتمية هي مقياس الحقيقة المنشودة، والحتمية الشاملة المطلقة التي تخضع لها الظواهر، والتي نشعر بها شعورا قبليا هي المحك الوحيد، أو المبدأ الوحيد الذي يسندنا في وصولنا إلى النظريات العلمية، وفي حكمنا عليها - كما يقول كلود برنار أيضا، في مرجعه المذكور.
إلى كل هذا الحد سلم العلماء تسليم البداهة، بأن مبدأ الحتمية هو المعبر الوحيد المفضي إلى العلم الحقيقي، وبأن إليه وحده يرجع الفضل في كل ما أصابه العلم من تقدم، فسرعان ما جعل التسليم به قوانين العلم تتدفق بسلاسة من نجاح إلى نجاح أعظم، ومن يقين إلى يقين أدق، ومن عمومية إلى عمومية أشمل.
ومن الناحية الأخرى أكد اطراد الطبيعة البادية أمام أعين العلماء في ذلك العصر، وتواتر صدق قوانين العلم عليها، من خضوع هذه الطبيعة للحتمية الشاملة، تضافرت إذن الأنطولوجيا مع الإبستمولوجيا في تأكيد الحتمية الشاملة، ورفعها فوق أي نقاش أو جدل.