1
سلم أهل الرواق بأن الحرية هي غياب العوائق أمام تحقيق رغبات الإنسان، ولكن إذا كانت درجات الحرية هي دالة تحقيق هذه الرغبات فأنا أستطيع زيادة الحرية بحذف الرغبات التي قد يعاق إشباعها، وهذا ما حققه إبكتيتوس حين قال إنه وهو العبد أكثر حرية من سيده، وبغياب العقبات ونسيانها أصبح على غير وعي بها، وبالتالي أصبحت غير موجودة، وهكذا فعل القطب الرواقي بوزيدونيوس - الذي مات عن مرض خبيث وقال: افعل كل ما تشاء أيها الألم! ومهما فعلت فلن تستطيع أن تجعلني أكرهك. وهو بهذا كما لاحظ شيشرون يتحد مع الطبيعة التي تدخل في ذات الهوية مع العلة الكونية، لقد جعل ألمه حتميا، ومن ثم يكون الاتحاد به هو الحرية بعينها.
2
فراح الرواقيون يتحدثون عن حرية مطلقة معروفة في البوذية وفي أديان أخرى ولناس بلا دين، إنها حرية الاعتصام بالنفس والالتجاء إليها وبالتالي التحرر التام من العالم الخارجي، وفكرة الحكيم الذي يلتمس الحرية والأمن في أعماقه وعن طريق وأد الذات فكرة تنشأ حين يقسو الواقع الخارجي.
3
وتنطبق على الحرية بمستوييها، على المستوى الأول يقسو الواقع الأنطولوجي بسبب تصور الحتمية الكونية، وعلى المستوى الثاني قد يقسو الواقع الاجتماعي على الإنسان بسبب أحداث العصر واضطراب الظروف السياسية والاجتماعية ... إلخ؛ ونظرا لحتمية الرواقيين من ناحية، وقسوة ظروف عصرهم الهلينستي من الناحية الأخرى، فمن الطبيعي إذن أن يلجئوا إلى هذا التصور للحرية الذي ينفيها على كل مستوياتها.
وإذا غادرنا الأصول التاريخية ودلفنا مباشرة إلى أجواء العلم الحتمي، أي إلى الفلسفة الحديثة، فسوف نجد أشهر وأقوى صورة لنفي الحرية بمنتهى الإصرار والتأكيد بلا مواربة أو مداورة، مع أكثر الفلاسفة طرا في المواربة والمداورة؛ مع سبينوزا (راجع حديث المدخل عنه)، وحسن أن يأتي سبينوزا في أعقاب الرواقية، فثمة فكرة شائعة تجعله رواقيا، بسبب من التشابه الشديد بين أخلاقياته وأخلاقياتهم واشتراكه معهم في مادية كل شيء والحتمية الصارمة وبالتالي نفي الحرية، وفيما عدا هذا فهو ليس رواقيا.
لذلك نعرج على رأي هامبشير الذي رآه أبيقوريا من حيث إنه تابع للوكريتوس في تأكيده على أن الإنسان يمكنه أن يتكيف مع العالم الفيزيقي كجزء منه، لا متعال عليه، هذا في مواجهة خلفية ضخمة ترى الإنسان ظاهرة خارقة للطبيعة .
4
ويبقى الأساس السبينوزي الذي لا خلاف عليه ولا نقاش فيه؛ أي الحتمية.
كانت حتميته صارمة حتى إنها تحكم قبضتها على الإنسان تماما كما تحكمها على الحجر الساقط وعلى كون المثلث ذا أضلاع ثلاثة، وعليها لا بد وأن تنحذف الحرية تماما من هذا الوجود، فتنص القضية الثانية والأربعون من الجزء الثاني من كتابه «الأخلاق: مبرهنا عليها بالطريقة الهندسية» على أنه: «لا يوجد في أي عقل إرادة مطلقة أو حرة، بل إن العقل محتم عليه أن يريد هذا أو ذاك بواسطة علة هي بدورها محتمة بواسطة علة أخرى، وهذه أيضا بواسطة أخرى وهكذا إلى ما لا نهاية.»
5
أما ما نراه من قرار إرادي يلازم أداء الفعل، فإن سبينوزا يفسر هذا بأن قرار العقل مع شهوة الجسم وحتميته متآنيان في الطبيعة، أو هما شيء واحد، إذا أخذناه تحت خاصية الفكر كان القرار، وإذا أخذناه تحت خاصية الامتداد كان حتمية فيزيقية، يمكن استنباطها من قوانين الحركة والسكون - القوانين الميكانيكية. إن الجوهر الممتد أو المادة هي في النهاية الحقيقية السبينوزية الحقة، وبالتالي فالحتمية الفيزيقية الميكانيكية هي فقط الحقيقة الوحيدة. وكانت اللذة والألم والرغبة عنده مصطلحات أولية لتفسير الشعور في حدودها تفسيرا ميكانيكيا عليا حتميا، وما اللذة والرغبة إلا الحالات أو التكيفات الطبيعية للشخص، التي تحدث مستقلة تماما عن الحكم «أو الإرادة»، وصحيح أن اللذة والألم علل لتغيرات نفسية وجسمية، إلا أنهما بدورهما معلولات لعلة خارجية ويجب دراستها في علاقتهما بالحالات المتغيرة للكائنات الحية دراسة علمية كأي موضوع فيزيائي.