تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحرية والحتمية متعارضتان.

ونحن نعلم أن الحتمية صادقة.

إذن الحرية وهم. •••

الحرية والحتمية متعارضتان.

ونحن نعلم أننا أحرار.

إذن الحتمية كاذبة.

78

الخبر الأول آت من العقل العلمي المظفر، ذلك المصدر الموثوق بأخباره أيما ثقة، والثاني من الإدراك الوجودي الذي يصعب تخطئته، تعاظم جبروت العلم، ولم يعد التطاول على قدس أقداسه مبدأ الحتمية - مباحا ولا حتى ممكنا، فكانت الحرية هي الضحية، فهل يمكن صرع إنسانية الإنسان جهارا نهارا؟ ربما لا، ولكن ماذا نفعل؟ هل ننكر العقل ونعتبر العلم كاذبا؟ أو خبرا غير موثوق به أو يمكن إهماله؟ ... ذلكم هو المحال بعينه .

هذا المعضل بلا أدنى مبالغة، أعنف وأقسى مأزق فلسفي، مر به العقل البشري حتى الآن، فكيف كانت مواجهته؟

الفصل الثالث

| مواجهة المعضل

إما بنفي الحرية وإما بنفيها (14) إنه حقا معضل، لا يمكن اعتباره محض مشكلة أو مأزق؛ لأنه وضع لا انفراجة له البتة: العلم ينفي الحرية، فما الذي فعله الفلاسفة بإزاء هذا النفي لأية إيجابية إنسانية؟

الواقع أن مجمل فلسفة الحرية بصدد هذا المعضل، لا تعدو أن تكون أحد موقفين، لا ثالث لهما: إما نفي الحرية بمعنى السلب والإنكار؛ اعترافا بحصيلة العلم التي لا سبيل إلى غير الاعتراف بها، وإما نفيها بمعنى إبعادها وطردها إلى عوالم أخرى متصورة أو متخيلة أو موهومة، لا علاقة لها بهذا العالم الذي نحيا فيه وأفتى العلم بأنه حتمي، وفي الحالين لا حرية حقيقية، فهي إما منكورة وإما موهومة، إما منفية وإما منفية، والمحصلة واحدة: لا حرية في هذا الوجود، فليس جزافا إذن أن تمنحنا عبقرية اللغة العربية جناسا لفظيا في هذا الحكم الذي انتهت إليه دراستي لفلسفات الحرية في العالم الحتمي، وعبثا حاولت العثور على استثناء له يكسبه شيئا من المرونة.

وسبيلنا الآن إلى تبيان مصداق هذا الحكم وعرض حيثياته، والمسألة تتلخص في أن نفي الحرية بمعنى السلب واللا إما أن يأتي من حتمية صارمة

Strict

تنفي الحرية صراحة، وإما من حتمية رخوة ومرنة

Soft ، عبثا تتحايل على صلابة الحتمية محاولة إفساح موطأ قدم للحرية، على أن الحتمية ما كانت لتسمح بطائل لأي تحايل أو مداهنة.

أما النفي بمعنى الإبعاد لعوالم أخرى ففيه تتفق عبقريات الفلاسفة عن تشييد قصور في الهواء تودع فيها الحرية الإنسانية، مجللة مكللة، كالعهد بنفي أعاظم القوم حين تدول دولتهم وبغير أن يدانوا بوزر، بعد أن يصدر إليها الأمر بمغادرة هذا العالم الذي أحكم العلم قبضته عليه، ولكن يصعب التسليم بأن الحرية بجلال قدرها وثقل شأنها كائنة في الهواء أو في الخيال، ومن هنا كانت محاولات إثبات الحرية إيجابا في العالم الحتمي تعمل على قصم أو فصم صميم العالم لتستقطع حيزا لا يقع تحت سلطان العلم وتدعي أنه مجال أو بالأحرى منفى الحرية. ••• (15أ) «نفي الحرية»: الحتمية الصارمة: هذا الموقف يحقق أبسط بسائط التفلسف؛ الاتساق، فهم يعلمون علم اليقين أنه لا حرية على وجه الإطلاق لإنسان يحيا في العالم الحتمي، ويطرحون أبنيتهم الفلسفية لإثبات أن الحرية وهم زائف وحديث خرافة.

ولما كان في هذا من القسوة الشيء الكثير - فإن بعضا منهم قد يحاول مداواة هذه القسوة عن طريق تسخير التحذلقات الفلسفية من أجل الاستغناء عن الحرية بواسطة اللاحرية، قبول الحتمية وتوهم الحرية، مما يذكرنا برواية الكاتب البريطاني الساخر جورج أورويل «1984»، ففيها ينقد بقسوة الأنظمة السياسية القائمة ويجعل دولته الوهمية تتخذ شعارات ثلاثة: الحرب هي السلام - الحرية هي العبودية - الجهل قوة. والشعار الثاني يسخر من فلاسفة الحرية الحتميين قبل أن يسخر من أية أنظمة سياسية.

ويأتي الرواقيون: في صدر القائمة، وقد رأينا أن الحتمية أصبحت معهم لأول مرة مفهوما جامعا مانعا للطبيعة والإنسان معا، إنهم آمنوا بشمولية القانون الكلي واستحالة الإفلات منه فيغدو سبيل الخلاص الأوحد هو الاتحاد بالضرورة الكونية والاندماج فيها عن وعي خير من أن يحدث هذا بغير وعي، فلا بد وأن يحدث على أية حال، فأصبحت الحرية هي الوعي بالحتمية، أي الإدراك والاعتراف الصريح بنفيها وبالطبع لا مسئولية، فقامت أخلاقياتهم على موافقة العقل الصريح، «والرجل الفاضل الحكيم الذي تسير حياته كلها وفقا للعقل الصريح إنما يحيا وفقا للطبيعة الخاصة والعامة، وهو مواطن هذا العالم يقبل طوعا كل ما يأتي به القدر من أحداث، حتى المصائب والنكبات، معتقدا أنها داخلة في النظام الكلي والقضاء الإلهي، الرجل الخبيث على عكس ذلك على خلاف مع نفسه ومع الموجودات جميعا وهو أجنبي في المدينة العظمى: العالم، ومع ذلك فالرجل الشرير مهما يتمرد على القدر فلا جدوى من تمرده؛ لأن جهوده للتخلص من الأقدار إنما تسوقه حيث أرادت الأقدار».

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٤٨