تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

64 (11د) وأخيرا انقلب هذا المبدأ الحتمي: نفي مشروعية الأحكام التقويمية أخلاقية أو غيرها، إلى قاعدة منهجية ميثودولوجية يتحراها الراغبون في علمنة دراستهم، خصوصا حين تكون علميتها محل شبهة، فدافع الحتميون التاريخيون عنها دفاعا مستميتا، مؤكدين أن التاريخ كأي علم آخر، وصف للوقائع لا يعترف بشيء اسمه الأحكام التقويمية «محمد وهتلر والإسكندر» ... قد نعجب بهم أو نخافهم، لكننا لا ندين أفعالهم ولا نمدحهم، فلو فعلنا فكأننا نلقي موعظة على شجرة، وبالمثل تماما محاولة عزو التغييرات إلى إرادتهم وتصرفاتهم أو محاولة استخلاص الدروس منهم. لا ينبغي أن نشعر بالاستصغار أمامهم، هم على ما هم عليه، ونحن على ما نحن عليه، ولم يكن أحد منا يستطيع غير هذا؛ لأنه محكوم بالقوى العظمى، إننا بإزاء عقول حتمية صلبة تناشدنا باسم المنزلة العلمية أن نحجم عن الحكم لكي نحافظ على الموضوعية.

65

ويمكن مقارنة هذا باتجاهات ستراوسون التفاعلية الذاتية، مقابل الاتجاهات الموضوعية الجديرة بالعلم الحتمي.

66 ••• (12) «معضل الجدة»: يرى الحتميون أن تاريخ عالمهم لا يحتمل أية أحكام تقويمية، ولن نبحث في كونهم محقين في هذا أم لا؛ لأن ثمة تساؤلا أهم وأكثر جذرية: هل لعالمهم هذا أصلا تاريخ بالمعنى الحقيقي؟ والأحداث فيه ليست إلا اطراد القانون الحتمي، وتطبيق لخطة فرضتها العلل الكونية التي تخلقت في الماضي السحيق قبل ظهور الإنسان ذي التاريخ، ودع عنك الإنسان المؤرخ.

العالم الحتمي الميكانيكي المغلق، الذي قدرت حركاته أزلا وأحصيت عددا، لن يعرف البتة جديدا، الجديد هو العارض الخصب، والعالم الحتمي حتمي لأنه لا عارض فيه، الجدة ظاهرة من ظواهر المفهوم الحيوي، من حيث كونه مناقضا للمفهوم الآلي ... أما وقد أصبحت الحياة ككل شيء: آلة، فلا جديد البتة، ولا خلق ولا إبداع وبالتالي لا تطور.

هذا في حين أن الجدة مفهوم ضروري تماما، مثل الأخلاقية والمسئولية وما إليه، أو على الأقل ضروري لكي يكون العالم إنسانيا متطورا وليس مخزن بضائع وأشياء متحركة، و«لكي يكون الكون متطورا تطورا حقيقيا، فلا بد وأن يظهر باستمرار شيئا جديدا كل الجدة، أعني أن التطور لا بد وأن يكون خلاقا، إننا ننظر إلى عالمنا على أنه عالم في دور التكوين، وإلى أنفسنا على أننا جزء منه في دور التكوين أيضا، إن حاضرنا ليس غير ساكن فحسب، بل هو حركة لا يمكن لها هي ذاتها أن تتكرر غدا».

67

تنفي الخطة الحتمية؛ هذا لأنها حددت كل شيء أزلا وأبدا، «وإذا كانت ماهية كل شيء محددة تحديدا قاطعا، فكيف يمكن أن يكون هناك تطور على الإطلاق، إن كل ما نتوقعه في هذه الحالة هو عالم سبينوزا الموجود منذ الأزل، ويبقى هو نفسه في سلسلة من التحولات، ولكن بلا جدة حقيقية».

68

لذلك لم يكن الإدراك العنيد للحرية، هو في حد ذاته الدافع الوحيد لاعتبار الحتمية كابوسا، بل وأيضا لأنها تنفي الجدة والخلق الأصيل والإبداع، كان هذا هو الذي دفع كثيرين من الفلاسفة المعاصرين، أمثال بيرس ووليام جيمس وبيرجسون ووايتهيد لشن حرب شعواء على الحتمية،

69

وفي هذا يقول كارل بوبر: «لقد وصفت الحتمية بأنها كابوس لأنها تنفي قوة الخلق، فكرة الإبداع والجدة تصبح معها وهما فارغا، مثلا كتابة هذه السطور لا يمكن أن يكون فيه أي شيء من هذا؛ لأن أي فيزيائي مزود بمعرفة تفصيلية كافية يمكنه أن يكتبه بمنهج بسيط للتنبؤ العلمي، بالمواضيع الدقيقة التي ستسود فيها الكلمات بواسطة النسق الفيزيائي المكون من جسمي وعقلي وأصابعي وقلمي، ولكي نستخدم مثالا أوقع نقول إنه لو صحت الحتمية الفيزيائية، فإن الفيزيائي الأصم «شيطان لابلاس» الذي لم يسمع في حياته أية موسيقى، يمكنه أن يكتب كل سيمفونيات موزارت وبيتهوفن، عن طريق منهج بسيط لدراسة الحالات الفيزيائية الدقيقة لأجسامها، فيتنبأ بالمواضيع التي سيضعان فيها علاماتهما الموسيقية في نوتتهما، بل ويمكن لهذا الفيزيائي الأصم أن يكتب ما لم يكتبه موزارت وبيتهوفن وكان يمكن أن يكتباه لو توافرت لهما شروط خارجية مختلفة كأن يأكلا لحما بدلا من الدجاج، أو يشربا قهوة بدلا من الشاي».

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٤٥