تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58

وليس يصعب تبين كيف يرتبط هذا مع ما ذكرناه في المقدمة من النزوع السيكولوجي إلى الحتمية؛ لأنها تريح النفس وتهدهدها، فما أجمل أن يتحلل الإنسان من مسئولية ما فعل، ملقيا الملام على الوراثة والبيئة والقضاء، فلا يستحق عقابا أو جزاء، بل قد يلقى رحمة باييه وتعاطفه؛ لأنه غير محظوظ كما قال هوسبرز، وكما أن التفسير والتبرير بواسطة الحتمية أيسر وأسلس السبل أمام العقل النظري، فإنه أيضا أوضح وأيسر أمام الفعل العملي، أوضح الأمثلة على هذا ما فعله الأمويون، حين رجعوا لعقيدة الجبر؛ لكي يبرروا حكمهم الجائر القائم على الدم الطاهر المراق، دماء آل البيت، مع الحتمية، نلقى أنفسنا في عالم لا يملك رادعا يردع المجرم عن ارتكاب جريمة «يمكنه» ألا يرتكبها، إنها كارثة العلم بحق.

لذلك، فبعد أن يجاهر ألبير باييه هكذا علانية بالمعضل، لا بد بالطبع وأن يدافع عنه في مواجهة الاعتراض بأن هذه النظرة المتسامحة قد يكون من شأنها أن تقلل السخط على الجريمة وأن تشجع أهل الشر على الغواية، يقول باييه عن هذا: «إن الافتراض ضعيف فهل قل فزعنا من وباء الطاعون منذ أن عدلنا عن رأينا في أن المصاب به آثم حل به عقاب الآلهة؟»

59

إنه إذا انتصرت الحتمية الاجتماعية، وهذا ما يحق لنا أن نرجوه، فإن المجتمعات ستظل تنكر الجريمة والكذب والسرقة، وستمضي في مكافحة تلك الرزايا لكنها لن توقع العقاب على الجاني، بل ستداويه بعد أن تكون قد حالت بينه وبين الإضرار بالناس، ولن تشدد النكير على الجريمة، بل ستهتم بتبيين عللها ووجوه القضاء عليها، وما هو الدواء الناجح،

60

ولا يكتفي باييه بالدفاع بواسطة تكنولوجيا العلم الاجتماعي - إن صح التعبير - بل يتوسل بأئمة الحتمية عبر التاريخ، قائلا: إن أخلاق التساهل القائمة على الحتمية لها أسلاف نابهون يجب إسكاتهم قبل التعرض لنا، فهل كان «أفلاطون» مقوضا للأخلاق حين قال: «لا أحد يقترف الإثم عامدا متعمدا.» وهل كان «سينكا» هادما للأخلاق حين قرر أنه لا ينبغي علينا أن نمقت الشرير، بل أن نرثي لحاله؟ وهل كان الإنجيل مقوضا للأخلاق حين أورد على لسان عيسى: «أبي اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ما يصنعون.» وأخيرا هل نقضي نحن على الأخلاق إذا اعتقدنا أن قانون المحبة شامل، وأنه ليس لأحد الحق أن يستثني منه أحدا.

61

علماء الحتمية لن يترفعوا على المجرمين، ولن يستهجنوهم ولا يدور بخلدهم أن يصرعوهم، بل يريدون أن يصلحوهم،

62

ويرد باييه هذا بالقول النبيل: «من منا المعصوم حتى يصح له أن يترفع على المخطئين؟!»

63

إلى كل هذا الحد لا يكتفي العلم الحتمي بالمجاهرة الصريحة بمعضل الأخلاق في عالمه، بل يردفه بالدفاع الباسل، ولم لا؟ وتكنولوجيا نسق العلم الحتمي الكامل ستعطينا ما هو خير من وهم الحرية وأحكام الأخلاق الجوفاء الانفعالية، ستعطينا المجتمع المنظم تنظيما أمثل، يجمل برلين الموقف كالآتي: «تلك هي عقيدة الحتميين المؤمنين بالعلم الطبيعي وبالتقدم المادي، إنهم يتمسكون بأن الخطيئة والمعاناة هي في النهاية نتيجة الجهل، الضعف والبؤس والحمق والخطأ والخلل الأخلاقي، كلها تعود في النهاية إلى سوء التنظيم الآتي من الجهل بالوسائل والغايات. وأن نفهم طبيعة الأشياء هو أن نعلم ما الذي نريده حقيقة وكيف نصل إليه، والتوصل إلى معرفة هذا هو غرض العلم ووظيفته، العلم سوف يتقدم، وسيكتشف يوما ما الغايات الحقيقية والوسائل الكفء الفعالة، المعرفة ستنمو وسيتقدم الإنسان أكثر، فيصبح أفضل وأحكم وأسعد، السعادة والفضيلة والمعرفة العلمية مرتبطة كلها معا، وبسلسلة لا تضمحل أبدا، أما الغباء والخطيئة والظلم والشقاء، فأعراض مرض سوف يحذفه تماما تقدم العلم، نحن على ما نحن عليه بسبب من العلل الطبيعية، وحين نفهمها فهذا وحده كفيل بأن يجعلنا على اتساق تام مع الطبيعة، أما الثواب والعقاب فدلالة على الجهل، إذا كان من المعقول أن نلوم الأشياء والحيوانات، أو نطالبها بالعدالة حين تسبب لنا ألما، أو نلوم الطقس أو التربة أو الضواري والوحوش، لكان من المعقول أن نلوم الإنسان، الذي لا تقل حتمية خصائص شخصيته وأفعاله عن حتمية هذه الأشياء، حين نبحث نمط حياة هذا الشخص أو ذاك، لا يجب أن ندين أو نعاقب لأننا سنعرف ما العلة التي دفعت هذا الإنسان أو ذاك للتصرف الخاطئ، قد يكون الجهل أو الفقر أو أي خلل فيزيقي أو عقلي أو أخلاقي، ولو تسلحنا بما يكفي من الصبر والمعرفة ومن التعاطف سنفهم هذا دائما ولن نلوم أي مخطئ أكثر مما نلوم أي موضوع من موضوعات الطبيعة».

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٤٤