35
وينتهي براند بلانشارد إلى أن الاعتراض على الحتمية بأننا نشعر دائما بالحرية مردود عليه كالآتي: من الطبيعي أن نشعر بالحرية على الرغم من أننا خاضعون للحتمية، طالما نصوب أنظارنا شطر نتائج الفعل وليس شطر علله، ودائما تفوتنا ملاحظة العلل،
36
مرة أخرى الشعور بالحرية هو الجهل بالقوانين الكلية والعلل الكامنة في الخلف، إنه مظهر من مظاهر القصور الإدراكي.
وقد يحاول الحس المشترك تدارك قصوره بشيء من المنهجية، ولن يجد أمامه إلا الاستبطان فهل ثمة أمل في الحرية؟ ربما لأن استبطان عملية اتخاذ القرار يكشف عن أنه نشاط حر لا حتمي وإذا كانت الحواس تخدعنا، كأن يرى السراب في قلب الصحراء واحة خضراء، فإن الاستبطان بمنجاة عن خطأ الحواس،
37
ومجمل الحجة الاستبطانية كالآتي: «يكشف الاستبطان عن أن سلوكنا الإرادي الحر لاحتمي، ونحن لا يمكن أن نكون على خطأ بصدد ما يكشف عنه الاستبطان؛ على هذا فالحرية كائنة، بعض الأفعال الإنسانية، بعضها على الأقل، لا حتمي».
38
على أن العلماء لم يجمعوا على شيء - وعن حق - مثلما أجمعوا على قصور وبطلان منهج الاستبطان وضرورة استبعاده، وقصوره كائن بوضوح ها هنا؛ لأنه لا يمكن أن ينصب إلا على فعل القرار أو الاختيار الذي تقوم به الذات، ولكنه لا يتطاول على العوامل القبلية التي كانت حتمية، أو حتى أفضت إلى أنه لا حتمي، عوامل البيئة والوراثة.
هكذا عدنا إلى حيث انتهت رحلتنا مع ويتلي وبراند بلانشارد، ومجرد كون الحرية في متناول الاستبطان - الذي يكشف الحدث منفصلا عن تسلسله العلي - لا يعتبر أبدا إثباتا للحرية، وقد اعتبره برود حجة سلبية في صالح الحتمية، وفصلها في الحجتين الآتيتين: (أ)
ثمة مبرر قوي للاعتقاد، أنه ليس كل الأحداث العقلية في متناول الاستبطان، فحتى لو كانت جميعها حتمية تماما، وكانت العوامل العلية الكافية هي ذاتها عوامل عقلية، فإن بعضها لا يمكن أن يتبينه الاستبطان. (ب)
ولأن بعض العوامل النهائية في العلة الكلية للحدث العقلي قد لا تكون عقلية بل مادية، فإنه مستحيل أن يكتشفها الاستبطان.
والحق أن هاتين الحجتين أو القضيتين تثبتان أن مظهر اللاحتمية البادي أمام العقل الإنساني قابل تماما للتأويل الحتمي وللتوافق مع الحتمية،
39
وإذا كانتا لا تقيمان أية حجة إيجابية للحتمية، فإن الحجج الإيجابية معروضة في الفقرة (7-ب)، المهم الآن أنهم اتخذوا من إدراك الاستبطان للحرية وكينونتها في الحس المشترك التبرير المنطقي لكون الحرية وهما، وتماما كما أن الحاسب الآلي (الكمبيوتر) لا يعرف كل شيء عن نفسه بطبيعة الحال، فإن المخ أيضا بالمثل لا يمكنه أن يعرف كل شيء عن نفسه، ومن ثم قد لا يكون على وعي ببعض العوامل التي تحتم سلوكه، وهذا يؤدي إلى الشعور الخادع بالإرادة الحرة، وهو شعور لا يمكن لأي قدر من الاستبطان أن يزيحه،
40
وعبث أن يحاول الحس المشترك مواجهة العلم وحتميته، أو أن يحاول الاستبطان مواجهة الاستقراء والاستنباط. ••• (11أ) «المعضل الأخلاقي»: الحس المشترك بطبيعة الحال خصم ضعيف أمام العلم، وليس يصعب قهره بلمسة إصبع، أما الذي جعل أوار الصراع بين الحتمية العلمية والحرية الإنسانية يستعر حتى السماء السابعة ويأبى أية محاولة للمهادنة فهو المعضل الأخلاقي، وتفصيل أمره كما هو آت: (أ)
الإنسان لا يستطيع أن يفعل غير ما يفعله، وطالما أن فعله قابل للاستنباط اليقيني من القوانين الحتمية فكيف نطالبه بأن يكون أكثر أو أقل أخلاقية؟ كانت الحتمية البيولوجية حين بسطت سيطرتها على الإنسان قد أخبرتنا بأن المخ يفرز التفكير كما يفرز الكبد الصفراء، وبالتالي، الأحكام الخلقية ككل أنشطة الذهن نواتج أو معلولات حتمية للعلل الضرورية، وبالتالي ليست من القيمة في شيء، ولا يوجد شيء اسمه القيمة، مذهب الضرورة الحتمية، حيث تمثل في الصورة الميكانيكية العلمية، جعل الإنسان مجرد حيوان، هو من الناحية الفيزيائية كالآلة، ومن الناحية العقلية كالنظرية الهندسية؛ لهذا يقول تين: «إن الفضيلة والرذيلة مجرد منتجات جانبية، مثلها مثل الزاج والسكر».