تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

أما السلوكية، التي بذرها بافلوف وبدأها واطسون، ورعاها ونماها سكينر

B. F. Skinner (1904-1976) حتى بلغت قمة النضج الحتمي بفضل جهوده الجادة، فطريقها إلى الحتمية أقصر وأيسر، لقد رفض السلوكيون كل تلك الأساطير الخيالية التي تفتقت عنها مقدرة فرويد الإبداعية، من قبيل الأنا والأنا الأعلى واللاشعور ... وأكد سكينر أن الإنسان مجرد آلة، حتى إن ما يسمى بالطبيعة البشرية المتميزة والنوايا والمشاعر ... كل هذا مجرد وهم ستطيح به الثورة السلوكية التي ظلت منطلقة في طريقها للإطاحة بكافة الكيانات التي لا تستلزمها الحتمية العلمية، حتى وصل بها الأمر إلى الإطاحة بمفهوم النفس وأصبح علم النفس معها كما يقال: علم نفس بغير نفس، إنه دراسة لردود أفعال شرطية منعكسة، مجرد سلوك يمكن جدا تعديله وتكييفه، عن طريق المؤثرات البيئية الواقعة عليه، بوصفها عللا محتمة للسلوك، خصوصا في عملية التربية، حتى نصل في النهاية إلى ما فيه صالح الفرد والمجتمع، وقد كرس سكينر جهوده الجادة من أجل هذه الإمكانية التقنية أو القوة التكنولوجية لعلم النفس، وأشهر أعماله في هذا كتابه «تكنولوجيا السلوك الإنساني»، وهو ترجمة عربية لكتاب له اسمه الأصلي «ما وراء الحرية والكرامة»

Beyound Freedom and Dignity ،

32

يوضح عنوان الكتاب ومضمونه معا أن معاني، أو بالأحرى أوهام الحرية والمسئولية والذاتية والشخصية وحتى إنسانية الإنسان، سيطيح بها العلم الحتمي، بواسطة المدرسة السلوكية ولكنه سيأتينا بما هو خير من الوهم العاطفي، بأفراد لمجتمع على درجة عالية من التكيف المطلوب.

هكذا أصبحنا، بلا لف ولا دوران، مجرد تروس في آلة. (10) «الحرية في الحس المشترك بالاستبطان»: دفعنا علم النفس بحكم طبيعته التخصصية إلى تفنيد خبرة كائنة في الحياة السيكولوجية الواعية، إنها الشعور بالحرية، لعل الحرية راحت، كما راحت الكثير من الكيانات التي كان العلم في تطوره نحو المثال الحتمي يطيح بها، كالغائية والقوى الحيوية، ومع هذا، فمهما تآزر العلم وفلسفته لتوطيد الحتمية، فستظل الحرية كائنة في الحس المشترك

Common sense ، أي في خبرة وتفكير الإنسان العادي في حياته العادية.

فهل يصلح هذا كملجأ أخير لإنقاذ الحرية الإنسانية من براثن الحتمية العلمية؟

الإجابة بالنفي، وكينونة الحرية في الحس المشترك لا تقدم ولا تؤخر من حال المعضل، فكما أوضحنا آنفا، في المدخل، الحس المشترك ينزع أيضا إلى الحتمية الكونية، وربما كان نزوعه إلى الحتمية أعمق وأكثر إلحاحا من شعوره بالحرية، وكما يقول بول فيز: «يسلم الحس المشترك بهاتين القضيتين «الحتمية والحرية» لأنه أصلا مجال للتناقضات، وأبعد ما يكون من الصورة النسقية المترابطة للاعتقاد».

33

وإذا أضفنا إلى هذا قصور مداه وخبراته، اتضح كيف يسهل على الحتمية العلمية، قهره وتفنيد إحساسه بالحرية، وكما يقول ويتلي، في كتاب له يمكن أن تعده من أقوى العروض العنيدة والمصرة على التفسير الحتمي العلي لكل ظواهر الوعي والسلوك الإنساني جملة وتفصيلا، ونفى أية إمكانية لفرض الحرية الباطل - يقول ويتلي: «ثمة شيء ما كالوعي بالحرية، كما أن ثمة الوعي المتناقض باللاحرية ولكن لا يمكن أن يكون ثمة وعي بلا علية، والعلية واللاعلية ليستا من النوع الذي يمكن معرفته معرفة فورية أو حدسية، فأن نقر أو ننفي علاقة علية بين حادثتين هو أن نقول شيئا أكثر مما يمكن اكتشافه بمحض الملاحظة المجردة للحوادث في ذاتها، وعيي أنا بأفعالي لا يمكن في حد ذاته أن يخبرنا بما إذا كانت أمثلة لقانون كلي»،

34

هكذا ترتد السهام إلى الصدور، ويتضح أن شعور الحس المشترك بالحرية هو عينه مظهر الجهل بالقوانين الكلية والعلل الكامنة في الخلف، ويتناول بلانشارد القضية بصورة أكثر هوادة، حيث يقول: «إن السؤال في حقيقته، ليس عما إذا كنا نستطيع فعلا أن نختار ما نختاره، وما إذا كان الاختيار ذاته قد أتى وفقا لقانون، وكنتيجة لمقدمات علية سابقة، إن هذا الإحساس بالحرية أو إدراكها يأتي من أننا نقوم بالفعل الحر أو بالاختيار - أو بالأصح ما نظنه هكذا - وأنظارنا مصوبة شطر الأمام، شطر المستقبل، شطر الغايات والمجاني التي سوف نظفر بها من هذا الاختيار، فنعتقد أننا أحرار فيه وفي الظفر بنتائجه، ومن ثم نظل على جهل بأن كل فعل وكل اختيار محتم، ولو نظرنا إلى الوراء، إلى الماضي والسوابق لوجدناها هي التي حتمت هذا الفعل، فلا اختيار إذن ولا حرية»،

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٣٩