تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Epi-Phenomenon

على حد تعبير هكسلي، وإذا كان الإنسان آلة واعية فسيبدو عمل الإرادة الحرة، أي أن يحدد الاختيار السلوك، كما لو كان معجزة، على أن السماح بالمعجزات يناقض كل أسس العلم الذي لا يعترف إلا بسلسلة العلل والمعلولات؛ لذلك لا بد وأن يرفض العلم كل العوامل الروحية بموجب أسسه النظرية والتطبيقية على السواء. (د) «قانون العلية»: وقد رأيناه العمود الفقري للعلم الحتمي، والذي تصور علماؤه أنه علم علي، وحجة الحتمية القائمة على هذا القانون تسير كالآتي:

كل العلل المتماثلة لها معلولات متماثلة، المعلول يماثل العلة حتى إنه محض ترجمة لها، والآن نجد أن التصرف الإنساني هو بالطبع معلول فيزيقي، ومن ثم نتوقع أن نجد له بالضرورة علة فيزيقية؛ العلة الفيزيقية تستبعد من طبيعة الحالة أية علة غير فيزيقية، ومن ثم فإن الإرادة الإنسانية بالطبع لن تعلل شيئا، وحركات الإنسان والكلب والحجر والشجر كلها متماثلة في أنها تعود إلى ظروف فيزيقية سابقة، وهذه الظروف الفيزيقية بوصفها العلة تحدد، هي فقط بمفردها، المعلول، وتماما كما أننا لم نعد نستطيع تفسير الضوء في المصطلحات الفيزيقية على أنه سهام جوبيتر فإننا بالمثل لم نعد نستطيع تفسير أفعال إنسان ما بالإشارة إلى ما تنتويه روحه. (ه) «حجة فلسفة العلم للطبيعة»: وهي مجرد تعميم لكل الحجج الأربع السابقة، وفلسفة الطبيعة في إطار فلسفة العلم، هي نظرية عامة مفسرة لكل حدوثات الطبيعة وقد رأينا أن المثال الميكانيكي هو مثال التفسير العلمي في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والفسيولوجيا ... وسواها من العلوم، وليست الأحداث تحدث لأن أي شخص أو أي إرادة قد شاءتها أن تحدث، إنها تحدث لأنه كان عليها أن تحدث وكان لا بد وأن تحدث، وإيجاد الرابطة الضرورية بين حدوثات الطبيعة هي مهمة العلم، وعن طريق الفرض الميكانيكي، نجد أن الكون كليا وجزئيا محكوم بالقانون الميكانيكي، ومجال القانون كوني كلي، بينما الإنسان مخلوق ضئيل جدا على أرض ضئيلة، هي ذاتها كوكب صغير نسبيا، في واحد من أصغر النظم الفلكية، بين عدد ضخم لا محدود من الأنظمة الفلكية التي تملأ هذا الكون، إن الكون نظام فيزيقي تعمل فيه القوانين، وما الإنسان إلا أصغر جزء من هذه الآلة الكونية، فكيف يمكنه إذا أن يفعل غير ما يفعله؟ أما عمل الإرادة الحرة الفردية فلا يقحم إلا كنزوة أو هوى، أو بالكثير مصادفة، في قلب كون كل حركاته محتمة ميكانيكيا، حتى إن ملاحظا ذا علم شامل، يلاحظ الوضع الحاضر يمكنه أن يتنبأ تنبؤا معصوما من الخطأ بكل ما سيكون في المستقبل ... كما أخبرنا لابلاس، وكما أوضحنا في المدخل تطرق مثال الحتمية العلمية، حتى وصل إلى العلوم التي تدرس الظواهر العقلية الإنسانية فاقتحمت الحتمية العلمية الحرية والإرادة الإنسانية، وكان اقتحاما مظفرا أسفر عن حجة مباشرة تماما هي: (و) «حجة علم النفس»: طالما أن منهج العلم يستبعد حرية الإرادة، فمن الطبيعي أن يصبح علماء النفس حتميين، يقرون بأن كل تصرفات الشخص لا تعدو أن تكون ردود أفعال انعكاسية آلية لمؤثرات بيئية لا دخل فيها للشخص، إنه لا يستطيع أن يتحرر كلية من عاملي الوراثة والبيئة، ولكن ليس التساؤل المطروح هو ما إذا كنا أحرارا كلية، بل ما إذا كنا أحرارا أصلا.

وتقوم حجة الحتمية ها هنا على أساس اعتماد علم النفس على العلوم الأسبق منه في سلم العمومية خصوصا الفسيولوجيا التي تسبقه مباشرة، وبناء على هذا، لن يكون ثمة حالة عقلية بغير حالة للمخ مناظرة لها، ذلك أن حالة المخ يجب وأن تعد تفسيرا للحالة العقلية، طالما أنه لا توجد للحالات العقلية المتعاقبة علاقات قابلة للتحكم، وحالة المخ ذاتها لا تفسر بالرجوع إلى الحالة العقلية، بل بالإشارة إلى حالة المخ الأسبق منها؛ على هذا النحو، لا تتحطم سلسلة العلية الفيزيقية، إنها تفسر نفسها بنفسها، وتفسر أيضا تسلسل الحالات العقلية، في حين أن تسلسل الحالات العقلية بدوره لا يفسر شيئا على الصعيد الفيزيقي، وهذا يستبعد بصورة حاسمة الإرادة الواعية من أي مجال للفاعلية.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٣٣