على هذا النحو انقضت الحتمية العلية بأولى خطواتها الغضة على حرية الإنسان لتلزمه بالمحتوم، وبمرور الأعوام تجاوزت الحتمية ميدان الفلك لتصل إلى كل الميادين الواحد بعد الآخر، وكل ميدان تفرض سطوتها عليه يؤكد من جانبه نفي حرية الإنسان حتى وصلت إلى غايتها بالتفسير الميكانيكي الجامع لكل ظواهر الوجود، «والذي يعتبر العالم دائرة مقفلة من الحوادث يتصل بعضها ببعض اتصالا عليا بحتا لا دخل لاختيار الإنسان فيه، وأن كل ما يحدث قد قدر أزلا وأحصي عددا كما لو كان نتيجة لعملية حسابية عظمى قام بها عقل حاسب»،
1
إننا بإزاء عالم حتمي كامل، وليس ثمة مجال لتدخل أي شيء من خارجه، وكما نصت قوانين الحفظ والبقاء؛ كل ما يحدث في مثل هذا العالم قد تحتم من قبل فيزيقيا بما في ذلك كل حركاتنا وبالتالي كل أفعالنا، ومن ثم فإن كل أفكارنا ومشاعرنا ومجهوداتنا لا يمكن أن يكون لها تأثير فعلي على ما يحدث في العالم الفيزيقي، إنها إن لم تكن محض أوهام فهي على أحسن الفروض نوافل ومنتجات جانبية وظواهر فرعية للأحداث الفيزيائية.
2
ولم يكن الوعي مشكلة أمام الحتميين، بعضهم اعترف به كعلة للسلوك، وظل السلوك محتوما على أساس أن الوعي بدوره معلول لعلة أسبق، بعبارة أخرى الوعي يندرج في التسلسل العلي ليغدو هو ذاته محتوما بسوابقه، والبعض اعتبر الوعي محض ظاهرة فرعية ثانوية وليس علة، وفي كلتا الحالتين التفسير الميكانيكي يحكم قبضته على العالم، فلن يستطيع الإنسان أن يفر من هذه الحتمية الميكانيكية الشاملة، يا ليت فحسب بل هرولت إلى رحابها علوم الإنسان الناشئة حديثا وهي بعد قاصرة لم تستقم قامتها.
أصبح الفكر يفسر على أنه نشاط ميكانيكي للمخ، والعاطفة على أنها نشاط ميكانيكي للجسد، وتصورنا أنه إذا أمكن تقصي كل التغيرات الفيزيائية والكيميائية التي تحدث في المخ والجسم لأمكننا - ولو من حيث المبدأ - أن نستدل على كل الخبرات الذهنية والعاطفية الخاصة بالفعل الذي يصاحبها، فإذا كانت التغيرات المادية مرتبطة بسلسلة من العلل فلا بد وأن الخبرات الذهنية والعاطفية مترابطة أيضا بنفس الأسلوب ولم يعد هناك مجال لحرية الإرادة.
3
وكما أوضحنا حتى ولو كان الوعي - وليس العلل الفيزيقية - هو العلة المباشرة للسلوك، فإن الوعي محتوم بعلل؛ أي محتوم بسوابقه، وبالتالي فإن السلوك بدوره هكذا، رفض هذا يعني رفض إمكانية الفهم العلمي لسلوك الإنسان (قد رأينا في المدخل كيف أصبح التفسير العلمي مطابقا للتفسير الميكانيكي)؛ وبهذا يتأكد مرة أخرى أن تصور الحرية محض وهم ناشئ من الجهل.
يستبعد التفكير الميكانيكي مقولة الحرية جملة وتفصيلا؛ لأنه يستبعد أية إمكانية لأي دور تقوم به ولأي حيز لها، ولأي منشأ لها أو أصل، ولأي هدف لها أو داع؛ ذلك لأنه يسحق تماما كل وأي محاولة لتفسير السلوك الإنساني في حدود الاختيار والأهداف والعقائد والنوايا،
4
كلها مفاهيم أو محاولات تطيح بها نظريات الفسيولوجيا العصبية، لقد أصبح الفعل المعين والحركة المعينة للإنسان خاضعة بالكلية للتفسير الميكانيكي والذي هو محض تفسير حركي فيزيقي ولدرجة أن كل تفسير سواه عقيم وباطل،
5
وبالتالي أصبح لزاما على مقولة الحرية الإنسانية أن تغادر هذا الوجود، ومعها كل مفاهيم الأغراض والأهداف والغايات والمثل العليا التي تسعى هذه الحرية إليها؛ لكي تكون حرية إنسانية واعية، أوليس التفكير الميكانيكي هو التفسير الحتمي، هو التفسير العلي بالعوامل السابقة، وأي تفسير بالهدف أو الغاية المستقبلية إهدار للسمة العلمية ورجعة تقهقرية إلى العصر المتخلف السابق على عصر الحتمية العلمية، أي عصر الغائية.
هكذا أصبحنا دمى لا حول لها ولا حيلة في يد الحتمية الكونية بقوانينها الميكانيكية وعواملها العلية، التي تحدد طريقا نحن فيه سائرون، أو بالأحرى مسيرون، وإن تصورنا أننا متجهون بالإرادة الحرة نحو قرار أو اختيار أو هدف أو غاية؛ فذلك لأننا عميان وإن كنا نبصر، صم وإن كنا نسمع، عميان وصم عن القوى العلية الكائنة في الخلف.