تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذلك أفردنا الباب الأول لمناقشة المنهج الاستقرائي، وإثبات أنه محض خرافة، وأن منهج العلم الحقيقي، منهج المحاولة والخطأ النقدي، لا يميز العلم فقط، فهو منهج كل نقاش عقلاني، وأي نشاط مجد أو مثمر.

ثم أفردنا الباب الثاني للوضعية المنطقية وموقف بوبر منها، فصلب هذا المذهب هو المعيار الذي يفصل بحسم قاطع بين الأحاديث التي تنصب على الواقع الحسي التجريبي وبين الأحاديث أو الثرثرة الميتافيزيقية التي تتجاوزه، وهذا فقط لأن العلم يقصر أحاديثه على الواقع التجريبي وقد بذلوا محاولات عدة لإقامة مثل هذا المعيار ، أشهرها معيار التحقق كما وضع كارل همبل معيار القابلية للتأييد، ووضع رودلف كارناب نسقا اصطناعيا للغة، أو مشروعا له، يحاول استيعاب العلم واحتواءه ونبذ كل ما عداه، كما وضع فتجنشين محاولة متأخرة.

كل هذا بالإضافة إلى أن الوضعية المنطقية أهم المؤثرات الفلسفية على بوبر، فقد هيمنت على الجو الفلسفي الذي نشأ فيه، كما أن بوبر بدوره من أهم المؤثرين على هذا المذهب، كما يرى الوضعي المنطقي فيكتور كرافت، أو هو بالأصح من أقسى نقاده، كما يرى الوضعي المنطقي أوتونيورات.

لهذا كان الباب الثاني للوضعية المنطقية، ونقد بوبر الشامل والمحيط لها ولمعاييرها لتمييز العلم، لتنتهي في النهاية إلى أن هذه المعايير محاولات فاشلة، بل وأن المذهب نفسه فاشل.

حتى إذا وصلنا إلى الباب الثالث «معيار القابلية للتكذيب»، ألفينا أنفسنا بإزاء المعيار الأصوب لتمييز العلم؛ لأن قوام العلم هو منهجه، ومنهجه هو منهج أية مناقشة عقلانية أي المنهج النقدي الساعي دوما إلى حذف الخطأ وتقليل نطاقه، أي تقليل مواطن الكذب، والذي جعل العلم يتقدم هذا التقدم الفائق إنما هو - وهو فقط - معلمه المميز الداخل في نسيج منطقه، أي القابلية للتكذيب، فقد تتم محاولة التكذيب وقد لا تتم، وقد تتم في وقت لاحق، المهم هو الإمكانية المنطقية لها، الإمكانية المنطقية لاكتشاف الخطأ والوصول إلى الأقرب من الصدق، وبالتالي التقدم المستمر نحو الحقيقة.

في هذا الباب سنلقي دراسة منطقية لنسق العلم، محيطة بالجوانب الميثودولوجية، والإبستمولوجية؛ لنتمكن في النهاية من تمييز النظرية العلمية، وتقنينها تقنينا دقيقا، على أساس درجة قابليتها للتكذيب، وبالطبع معنيون - في فصل خاص - بتطبيق نتائج هذا المعيار.

كل باب من الأبواب الثلاثة ينتهي بفصل خصص لمناقشة الدعاوى المطروحة فيه، لكن لا بد وأن ينتهي البحث بخاتمة عن موقف بوبر بصفة عامة. (5) والآن في هذا الموضع - وفي كل موضع - لن يكفي كل ما في الأرض من آيات عرفان وامتنان كيما أرفعها إلى الرحاب الرحب لأستاذتنا الدكتورة أميرة مطر، حيث ننهل جميعا من أرفع قيم للبحث العلمي، ومن أعمق حب للفلسفة ومتفلسفيها، لقد تفضلت سيادتها منذ البداية بإرشادي إلى موضوع هذا البحث، ثم بقبول الإشراف عليه، فلم أجد إلا تثبيتا لدعائم مثل عليا، كانت قد أرستها في نفسي قبل هذا البحث بسنوات.

الباب الأول

| المنهج الاستقرائي هل يصلح معيارا لتمييز العلم

| تمهيد

لقد فهمت تماما لماذا حصنت بهذا الإحكام نظرية العلم الخاطئة، تلك التي سادت منذ بيكون - والتي ترى أن العلوم الطبيعية هي العلوم الاستقرائية، وأن الاستقراء هو عملية تأسيس أو تبرير النظرية بواسطة ملاحظات أو تجارب متكررة - والسبب هو أن العلماء كان عليهم أن يميزوا أنشطتهم عن العلوم الزائفة، وبالمثل عن اللاهوت، والميتافيزيقا، وقد أخذوا من بيكون المنهج الاستقرائي كمعيار يميزهم، ومن ناحية أخرى: كان العلماء متشوقين لتبرير نظرياتهم، متوسلين بمصدر للمعرفة يمكن مقارنته من ناحية الوثوق بمصادر الدين.

1 (1)

أولى تلك المصادر التي وضعت لحل مشكلة التمييز وأكثرها شيوعا، حتى لتكاد أن تكون هي الموقف المعتمد، هي تلك التي ترى أن استخدام المنهج الاستقرائي هو - وهو فقط - الذي يدمغ المعرفة بالسمة العلمية ويميزها عن سواها. (2)

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٩