تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

وإن لم يكن بوبر أول من أثارها، فأول من فعل ذلك بوضوح هو إيمانويل كانت؛ لذلك يسميها بوبر مشكلة كانت؛ لأنه أول من انشغل بمشكلة الحدود التي تميز العلم التجريبي، وأول من تساءل عن معيار يحدد العبارات التي تنتمي للعلوم التجريبية، ويميزها عن تلك التي لا تنتمي لها، وتنتمي للميتافيزيقا مثلا. (3) أما الذي جعلها نقطة البدء، فهو أن بوبر قد نشأ في جو يسيطر عليه سقوط الإمبراطورية النمساوية، وقيام ثورات ملأت الجو في النمسا بشعارات وأفكار ثورية ونظريات جديدة، ثار حولها الكثير من الجدل والهراء، لا سيما:

النظرية النسبية.

النظرية الماركسية في التاريخ.

نظرية فرويد في التحليل النفسي.

نظرية أدلر في علم النفس الفردي.

كان الإعجاب شائعا بعلمية النظرية الماركسية، ونظريات فرويد وأدلر وقوتها البادية، حتى بدت هذه النظريات وكأنها قادرة عمليا على شرح كل شيء يحدث في مجالات بحثها، فلا بد وأن تجد الحالات التي تؤكدها في كل مكان، وامتلأت الدنيا بإثباتات لها، وأيا كان ما يحدث فهو دائما يؤكدها، لقد ظهر صدقها جليا، واتضح أن المنكرين كانوا قوما لا يريدون أن يروا الصدق الجلي، أو رفضوا أن يروه، إما لأنه ضد مصالح طبقتهم، وإما هو بسبب عقد مكبوتة لديهم.

ولم تكن المنزلة العلمية للنسبية - التي جذبت بوبر بشدة - قد ثبتت بعد، لكن بوبر كان ضمن مجموعة من الطلبة يدرسون نتائج ملاحظات آدنجتون عن الخسوف، التي جلبت عام 1919م أول تحقيق هام لنظرية آينشتين في الجاذبية، في حين أنه كان مغامرة، كان يمكن جدا أن تجلب ملاحظات آدنجتون عكس ما توقع آينشتين؛ مما يعني ببساطة أن النظرية مرفوضة؛ لأنها غير متوائمة مع نتائج معينة محتملة للملاحظة، وهي في الواقع نتائج كان يمكن أن يتوقعها أي باحث قبل آينشتين.

ألحت مشكلة التمييز بشدة على بوبر، ومن جراء هذا بدا له من السهل جدا الحصول على وقائع تؤيد أية نظرية، وأن القوة البادية لنظريات فرويد ويونج وأدلر على شرح كل شيء، هي في الواقع مكمن ضعفها الحقيقي،

20

فهي غير قادرة على التنبؤ بأي شيء؛ إذ إن العسير حقا هو وضع النظرية في موقف يستطيع منع حدوث وقائع معينة، يمكن جدا أن تحدث فتكذبها.

على هذا توصل إلى أن إمكانية تكذيب

Falsifiability

النظرية إمكانية تصادمها، أي تعارض النتائج المستنبطة منها مع وقائع ملاحظة ممكنة الحدوث منطقيا هي المعلم المميز للعلم الطبيعي، معلم يرسم حوله حدودا تحدد صورته المنطقية، بوصفه النسق الوحيد - بين أنساق عدة - القادر على إعطائنا قوة شارحة، مضمون معرفي ومحتوى إخباري، عن العالم التجريبي الواحد والوحيد الذي نعيش فيه، القابلية للتكذيب هي التي تميز العلم التجريبي دون سواه، فتفرده عن العلوم الزائفة، وعن الميتافيزيقا، وعن المنطق والرياضة ... وعن سائر الأنشطة العقلية التي لها دورها العظيم، وربما الأعظم في بناء الحضارة، وتقدم الإنسان ولكن اختلاطها، بالعلم الطبيعي، ادعاءها القدرة الإخبارية عن العالم التجريبي، من شأنه أن يلحق الضرر بالحضارة المعاصرة وبالعلم وبالفلسفة، ولا سيما أن العلوم الزائفة

Pseudo-Science

كالتحليل النفسي مثلا، تقوم على تنسيق عقلاني خلاب، يجعلها تتشح بوشاح العلم، في حين أنها مجردة من أية قوة شارحة معرفية، إنها دجل العصور الحديثة، المناظر للتنجيم والسيمياء، دجل العصور الغابرة.

معيار القابلية للتكذيب، يكشف عن كل هذا، إذ يميز العلم، ويعطينا صورة المنهج الأمثل للتعامل معه. (4) لكن ليس من السهل قبول هذا المعيار.

أولا: هناك رأي شائع مؤداه أن النظرية تكون علمية، إذا كنا قد أتينا بها عن طريق المنهج الاستقرائي، أي لو كانت تعميما لوقائع مستقرأة من العالم التجريبي، فلا بد وأن تكون إخبارا عن هذا العالم، غير أن بوبر يرى أن عملية التعميم الاستقرائي هذه مستحيلة الحدوث أصلا، فكيف لها أن تميز العلم؟

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٨