تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالمعتمد في تاريخ مناهج البحث، أن الفضل المباشر في قيام الاستقراء يعود إلى بيكون، الذي يتبوأ مكانة عظمى في عالم الفكر العلمي والتجريبي، رغم تهافت فلسفته وتهلهل علمه؛ لأنه أخرج المارد الاستقرائي من قمقمه، هذا يكاد يكون مسلما به وبوبر نفسه يحلو له أن يطلق على الاستقراء اسم «خرافة بيكون».

لكن لأن الاستقراء خرافة، سيثبت بوبر الآن أن بيكون لم يأت بجديد، وأن كل ما قاله ليس إلا تكرارا لما قاله أستاذنا العظيم سقراط منذ فجر التفلسف، بعبارة أخرى: الفكرة المطروحة في هذا الجزء من الفصل، هي أن الاستقراء البيكوني مجرد صورة أخرى من صور التوليد السقراطي فلكلا المنهجين نفس الهدف ونفس مسار الإجراءات.

ولا غرو فتأريخ الفلسفة - نقيضا لأي تأريخ آخر - هو علم ذو حيوية لا تضاهى في كل محاولة لتأريخ نظرية فلسفية، حتى وإن كانت المحاولة رقم ألف، ما زالت هناك الإمكانية لبعث حياة جديدة وتفجير طاقات وإمكانيات ما كانت لتخطر على بال، وما يصدق هذا مثلما يصدق على بوبر وقدرته على تأريخ النظريات، لا سيما تلك التي مل التاريخ من كثرة تأريخها، كالمثل الأفلاطونية والروح الهيجلية فيخرجها في ثوب جديد، فتبدو وكأننا نتعرف عليها لأول مرة. (2) وبادئ ذي بدء، لا بد أن نضع في الاعتبار أن المفهوم القديم للاستقراء الذي نتحرك في نطاقه في هذا الجزء هو: المنهج الذي يرشدنا إلى النقطة التي نستطيع أن ندرك أو نحدس عندها ماهية الشيء وطبيعته الحقيقية،

47

أي يختلف كثيرا عن المفهوم الحديث الذي يعني الاستدلال على القوانين الكلية من ملاحظة الحالات الجزئية.

كان هذا المفهوم القديم هو الذي في ذهن بيكون وأيضا في ذهن أرسطو، حين ذكر في كتابه الميتافيزيقا أن سقراط مخترع الاستقراء، منوها بذلك إلى منهجه في التوليد،

48

هذا هو الإقرار الصريح لدعوى بوبر. (3) وهي واضحة، فمن تعريف مفهوم الاستقراء، نجد هدف بيكون منه هو الإدراك الحدسي لماهيات الأشياء، وهذا عينه هدف سقراط من منهج التوليد

maieutic

كما قال في محاورة ثياتيتوس، إن هدف منهجه هو أن يساعدنا على - أو يقودنا إلى - التذكر

an amnesis

وهو قوة رؤية الشيء أو طبيعته الحقيقية، أي إن الهدف هو أيضا الإدراك الحدسي لماهيات الأشياء،

49

إذن هدف بيكون ينأى بمنهجه بعيدا بعيدا عن هدف المنهج العلمي الحديث، بل وحتى هدف المنهج الاستقرائي، ويلقى به في قلب الرحاب السقراطية.

وإن التماثل بين المنهجين أكثر من الهدف، فهو أيضا في مسار الإجراءات؛ ففن التوليد السقراطي يتكون أساسا من مرحلتين؛ مرحلة التهكم ومرحلة التوليد، مرحلة التهكم هي مرحلة طرح الأسئلة التي وضعت كي تحطم الانحيازات والاعتقادات الخاطئة، التي غالبا ما تكون إما تقاليد عتيقة، وإما «موضة» مستحدثة شائعة، سقراط لم يكن يدعي أنه يعرف، فقط كان يثير الأسئلة، ولكن لم يكن يجيب عنها - كما هو معروف - إنه يطهر الروح من اعتقاداتها الخاطئة التي تبدو وكأنها معرفة، وكان يحقق هذا بأن يعلمنا كيف نشك في الأفكار التي نقتنع بها.

50

وقد كان نفس هذا الإجراء جزءا أساسيا من منهج بيكون

51 ⋆

هو الجانب السلبي، متمثلا في توضيح بيكون للأوهام الأربعة، وكيف نتخلص منها، كي تكون قراءتنا للطبيعة - أي الجانب الإيجابي - خالصة، مطبقين بهذا ما أسماه بيكون بالمنهج الصادق، والذي ميزه عن المنهج الكاذب.

أراد بيكون بالمنهج الصادق: أن نقرأ الطبيعة كما هي أمامنا، وإن كان قد استعمل اللفظ اللاتيني

interpretati

الذي يقابل لفظ

interpret

الإنجليزي، والذي يعني يؤول ويفسر، فهو إذن يضفي نكهة ذاتية ووجهة النظر الشخصية على الموضوع، غير أن بوبر في شروح مسهبة يوضح كيف تغير معنى هذه الكلمة على مر العصور، أيام بيكون كانت مختلفة، فإن استعملت هذه اللفظة الآن في وصف عمل القاضي مثلا؛ لكان معناها أن عليه تأويل القانون وتفسيره، وتكييفه مع القضية، أما أيام بيكون فكان معناها أن القاضي عليه أن يقرأ القانون كما هو، وأن يشرحه ويطبقه بالطريقة الواحدة التي هي طريقته الصحيحة،

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٦٥