تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38

ولكن براهين الملاحظة التي تدعي أنها تؤيد نظرية نيوتن، يمكن أيضا أن نستخدمها في تأييد نظرية آينشتين، وهذا بالطبع يحسم القول في أننا ببساطة نخطئ حين نظن أن نظرية نيوتن مؤسسة على براهين الملاحظة، فأين هو البرهان الاستقرائي، هل نأخذ بنظرية نيوتن أم بنظرية آينشتين، وليست هناك أية نظرية علمية على وجه الإطلاق، يمكن أن تدعي أنها مبرهنة استقرائيا، ويوجد اتفاق بينهما وبين أدلتها الاستقرائية الملاحظة أكثر من نظرية نيوتن، فإن كان الاستقراء لا يمكنه أن يؤسسها في مواجهة مغايرتها ومنافستها النسبية، فلن يمكنه هذا لأية نظرية أخرى على وجه الإطلاق.

39

الفضل العظيم لآينشتين علينا - كباحثين في فلسفة العلم وليس في العلم - هو أنه حررنا من الاعتقاد الدوجماطيقي بنظرية نيوتن، فوضعنا بذلك آخر مسمار في نعش الاستقراء. (7) وبعد كل هذا، فلنترك الشواهد التاريخية التي تتفاوت نصيبا من الصدق والكذب، تقدما أو تخلفا، ولنأت إلى أدلة شواهد ذات عمومية وموضوعية، وهي نماذج لأكثر القوانين العلمية ثبوتا ويقينا، وما اكتسبت هذا الثبوت وهذا اليقين، إلا من تواتر الأدلة الاستقرائية بعدد لا يحصى من بلايين الحالات، هذه النماذج هي: (أ)

الشمس تشرق مرة كل 24 ساعة. (ب)

كل الناس فانون. (ج)

الخبز يطعمنا.

40

هذه النماذج هي الأسلحة التي شهرها الاستقرائيون في وجه بوبر، كأمثلة لتأكيدات قاطعة يستطيع أن يأتينا بها الاستقراء، هي هي حقا هكذا كما ادعى ستراوسون مثلا. (أ)

القانون الأول تم تفنيده، بعد أن اكتشف بايثيز أوف مرسيليا

Pythease of Marseilles

البحر المتجمد والشمس التي تشرق في منتصف الليل،

41

وكان رسوخ هذا الاعتقاد استقرائيا هو السبب في أن الناس ظلوا قرونا عديدة يعتقدون أن بايثيز يكذب.

42 (ب)

أما القانون الثاني، فهو مثال الإغريق الدارج للقوانين الكلية اليقينية، لكن بوبر يرى أن الترجمة سيئة؛ لأن اللفظة اليونانية (ثنيتوس

thnetos ) لا تكون ترجمتها «فان»

mortal

بل ترجمتها الدقيقة هي «صائر إلى الموت

bound to die ، أو قابل أن يموت.»

وهذا المثال مأخوذ أصلا من رأي أرسطو أن كل الكائنات الحية صائرة إلى الفناء

bound to decay

لا بد وأن تموت بعد فترة معينة،

43

ثم جاءت أعداد لا تحصى من مليارات الأمثلة الاستقرائية التي تؤكد هذه النظرية، فأصبحت في منزلة علمية لا تضاهى.

ولكن يمكن تفنيدها باكتشاف حديث هو أن البكتريا لا تموت طالما أن التكاثر

multiplication

بواسطة الانقسام الذاتي ليس موتا، وتأكد هذا التفنيد أكثر بأن المادة الحية بصفة عامة ليست صائرة إلى الفناء، على الرغم من أن جميع أشكال الحياة يمكن أن تقتل بوسيلة فعالة فعالية كافية.

44

ويمكن أن نضع تفنيدا ثالثا لهذا المثال بتجربة أجراها علماء بيولوجيون تمكنوا فيها من الاحتفاظ بقلب دجاجة يخفق لأكثر من خمسين عاما بصورة متواصلة،

45

ومعروف جيدا أن عمر الدجاجة في حدود عامين، ولا يزيد عن أربعة عشر عاما. (ج)

أما القانون الثالث «الخبز يطعم» فهو المثال المفضل والشائع في كتابات هيوم! ولكن فنده أو على الأقل أخرجه عن يقينه القاطع، الخبز الذي أصيب وهو في الحقل بالمرض النباتي

Ergotism ، وأحدث كارثة بإحدى قرى فرنسا في عهد قريب، وبالطبع فإن هذا يعني أن القانون القائل: إن الخبز المصنوع من قمح بذر في الحقل، ثم حصد تبعا لأساليب الزراعة المعروفة والمسلم بها، يطعم الناس ولا يسممهم، لكن أحيانا يسممهم.

46 (8) بوبر يسحب البساط من تحت الاستقرائيين، فيثبت أن أمثلتهم بعدما تمتعت به من رسوخ استقرائي لم تعد الآن يقينية مطلقة الصدق.

إذن الاستقراء لا يؤكد النظرية، وهو - كما سلف - لا يفضي إليها، بعد كل هذا يصبح مضيعة للوقت أن يجادل بوبر الاستقرائيين أكثر من هذا. (4) بيكون لم يأت بجديد (1) بل وإن إثبات بوبر لخرافية الاستقراء، يمتد إلى أبعد من المنهج ذاته واسمه المنطقية ليصل إلى ما يسلم به الاستقرائيون، ويسلم به بوبر نفسه، على أنه الأصول التاريخية للاستقراء، فيثبت أنها لا هي أصول ولا هي استقراء.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٦٤