تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

على هذا النحو تنشأ جميع المنتجات الثانوية، كاللغة والعرف والتقاليد والتنظيمات الاجتماعية.

إنها تبدأ من نشاط توجهه الحاجة، ثم يتسع ويتحسن تدريجيا بغير خطة سابقة «إنها أشياء صنعها الناس بغير أن يصنعها واحد منهم.»

32 ⋆ ،

33

ويرجع الفضل في وجودها إلى فائدتها

Usefulness

التي ربما لم تكن موجودة قبل أن تنشأ، لكن تحققت بعد وجودها، فأدى هذا إلى أن تتحسن وتتطور.

بخلاف المنشآت التي تنشأ بغير نية، يدخل أيضا تحت نطاق المنتجات الثانوية تلك المنتجات التي تنشأ كنتيجة غير مقصودة، لمنتج أصلي مقصود، كالمشاكل التي تنشأ عن صعوبات أو قصور أو تعقيد لنتائجه.

المنتجات الثانوية تجسد استقلال العالم 3، وبالتالي موضوعية مكوناته، غير أن هذا الاستقلال يمتد إلى حدود، فالمشاكل الجديدة التي تخلق تواجه بمحاولات حلها، وهذه المحاولات تؤدي إلى خلق جديد ثمة دائما استمرار للعلاقة الدينامية، علاقة التغذية الاسترجاعية التي تربط الإنسان بالعالم 3. (6) العالم 3 هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان، وأهم مكوناته، وصاحبا أكبر الفضل في خلقه هما: اللغة ثم النقد. (7) نظرية العالم 3 تثبت العبارة التي وردت في بدايات الفصل: «إن المعرفة موضوعية لدرجة أنها بغير ذات عارفة.» فقد وضح مدى استقلال مكوناته والمعرفة إحداها، بل وحتى عملية الفهم

Understanding

نقطن فيه

34 ⋆

لأنها تنصب على محتوياته.

على هذا أصبح منطقيا: إصرار بوبر على موضوعية المعرفة، ومدى الخطأ الكبير حين ندرس المعرفة بوصفها اعتقادات، أي حين تتورط الفلسفة في العالم 2. (4) نظرية المحاولة والخطأ (1) كيف تبدو المعرفة خلال هذا المنظور الموضوعي؟

ينظر بوبر إلى المعرفة والعلم نظرة واحدة، فالعلم ليس إلا مرحلة متقدمة من المعرفة، بل وأكثر من ذلك، فلو كشفنا القصة كلها مرة واحدة منذ الأميبا حتى آينشتين؛ لوجدنا أنها تعرض لنفس النمط وعلى طول المدى،

35

فالمسار الذي تسلكه الأميبا لحل مشكلة حصولها على الغذاء، هو نفس المسار الذي سلكه آينشتين لحل مشكلة النسبية.

فأنماط السلوك أيا كانت، أي سلوك يسلكه أي كائن حي؛ العالم في معمله أو الإنسان العادي أو الطفل أو الحيوان أو حتى الحشرة ... أي سلوك كان ليس إلا محاولة لحل مشكلة معينة؛ لذلك لا بد وأن تكون المعرفة بدورها ليست إلا نشاطا لحل مشاكل.

ولا بد وأن يبدأ أي موقف بمشكلة محددة «لتكن م1»، تأتي بعد ذلك محاولة حل اختباري لهذه المشكلة «ح ح»، يتخذ الآن النقد دورا أساسيا في مناقشة هذا الحل المقترح، فيستبعد الخطأ منه «استبعاد الخطأ: 11»، بعد حذف الخطأ يبرز موقف جديد، وأي موقف لا بد وأن يحتوي على مشاكل، إذن الموقف ينتهي بمشكلة جديدة «م2»، فيتخذ الصورة:

إنها الصورة المنهجية لأية محاولة تجري على وجه الأرض؛ لذلك لو طلبنا من بوبر وصفا للإبستمولوجيا من وجهة النظر الموضوعية، وصفا لمسارها وكيفية نموها المطرد لما قال سوى: «م1

ح ح

أ أ

م2» فعلى هذا النحو تسير المعرفة في حلقات متتالية تبدأ بمشكلة وتنتهي بمشكلة، لكنها ليست دائرية

Cycle ؛ فهي لا تنتهي من حيث بدأت، بل تنتهي بموقف جديد ومشاكل جديدة، هذه الجدة هي التي تكفل التقدم المستمر. (2) وهذه الصياغة فيها عنصر مفقود فقد تقترح كثرة من الحلول، علينا أن نختبرها جميعا حتى نصل إلى أفضل «م2» ممكنة، ويمكن أن تطور الصياغة حتى تتخذ هذه الصورة:

36

ويمكن أن نطورها أكثر كي تعبر عن الموقف، حين يصعب حسم القول في أفضل الحلول المتنافسة، فتتفرع المشكلة الواحدة إلى عدة طرق، كل منها ينتهي إلى مشاكله الخاصة به، ويمكن التعبير عن هذا بتطوير الصياغة على النحو التالي:

37

هذه الصورة واضحة جدا في المسائل الأيديولوجية كتعدد الاتجاهات السياسية مثلا. (3) وبوبر يؤكد أن كل مكونات العالم 3 تسير في هذا المسار، بل وأيضا مكونات العالم 2 مثل العواطف والاعتقادات، ويؤكد بريان ماجي أن كل عمليات التطور العضوي جوهرية كانت أم شكلية، وكل عمليات التعلم يمكن النظر إليها من هذا المنظور. (4) وهذه الصياغة أخصب أفكار بوبر، «وضع عليها سرجا جيدا، وامتطى صهوتها خلال الكثير المتباين من حقول التساؤل الإنساني، وحتى تلك التي لم يطرقها هو، كان هناك في الأغلب أحد أتباعه ليطرقها.»

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٤٠