59
وهو ينص على أنه إذا تغيرت ظاهرة ما بطريقة معينة، وصاحب هذا التغير في ظاهرة معينة أخرى بنفس الطريقة المعينة، كانت تلك الظاهرة علة للثانية أو معلولة لها، أو مقترنة بها اقترانا عليا من ناحية ما.
60
أي إن هذا المنهج للكشف عن العلاقة الكمية بين العلة والمعلول، عن التناسب الطردي بين شدة العلة وبين شدة معلولها، فإذا كان هناك تغير فيما نفترضه من عوامل الظاهرة يتبعه تغير وبنفس النسبة في نتيجتها، كان ذلك تثبيتا للعلاقة العلية التي افترضناها.
ويمكن التعبير عن هذا المنهج رمزيا هكذا.
61
في العلاقة الطردية (الاتفاق):
أ + 0
ب + 0
أ + 1
ب + 1
أ + 2
ب + 2
في العلاقة العكسية (الاختلاف):
أ + 0
ب − 0
أ + 1
ب − 1
أ + 2
ب − 2
هذا المنهج أسهل المناهج الخمسة عمليا وأدقها؛ لأنه يأخذ في الاعتبار التكميم؛ أي إن مل ينبه فيه إلى سر التقدم العلمي. (ب) تقييم
هذا هو الاستقراء بالصورة المنهجية التي وضعها مل، وهو يختلف عن بيكون في أنه يلزم الباحث إلزاما مقيدا، ويدعي أنه يفضي به إلى البرهان، وهو لا يريد للباحث أن يتخطى حدوده أبدا إذ يقول مل: إن هذه هي - وهي فقط - أساليب البحث التجريبي ومناهج الاستقراء المباشر، وإنه لا يعرف ولا حتى يستطيع أن يتخيل سواها،
62
بالطبع هذه نظرة غاية في القصور، أن يتصور أن علم مناهج البحث قد وصل إلى ذروة المنتهى على يديه، وبصفة عامة، فإن فلسفة مل المنهجية مليئة بأوجه القصور، فهو مثلا خلط بين اكتشاف الفروض؛ أي اختراعها، وبين تأييدها، ودافع مل عن هذا بأن القانون العلمي ليس فرضا، بل هو حقيقة نريد أن نثبتها، وهو قد وضع مناهجه لتوضيح كيف يمكن التثبت من أنها فعلا قوانين،
63
وبالطبع مل على خطأ بين، ليست الفروض هي التي في جوهرها قوانين، بل إن القوانين هي التي في جوهرها وفي مظهرها فحص فروض، كما سيثبت هذا البحث.
ثم إن مل قال: إنه سيأتينا بأربعة مناهج، ثم أتانا بخمسة، وبعد أن شرحها ظل مصمما على أنها أربعة! وقد اختلف الباحثون؛ أية الطرق هي الزائدة؟ ترى سوزان ستبنج أن البواقي هي الزائدة، أما جوزيف فيرى أن منهج الجمع بين الاتفاق والاختلاف هو الزائد، بينما يذهب وليم نيل إلى حذف طريقتي البواقي والتغير النسبي.
لكن ثمة تحليلا معقولا، خلاصته أن منهجي البواقي والتغير النسبي يعتمدان على المناهج الثلاثة الأولى، في حين أن المنهج الثالث - منهج الجمع بين الاتفاق والاختلاف - مجرد تكرار للمنهجين الأول والثاني معا، زد على ذلك أنه يمكن رد المنهج الأول إلى المنهج الثاني؛ لأن الوقائع لن تكشف لنا بطريق مباشر أن الحادثة «أ» مثلا علة الحادثة «س»، وإذا لوحظت عدة وقائع تثبت أن «أ» علة «س»، فإن تلك الملاحظات لا تقدم دليلا على أن «أ» علة «س»، بل يجب أن نتثبت أنه لا يوجد علة للحادثة غير الحادثة «أ»، ذلك يستلزم القيام بتجارب سالبة؛ أي منهج الرفض أو الاختلاف، وهو المنهج الثاني، وبذلك ننتهي إلى أن هذا المنهج الثاني هو فقط الأساس، ومع ملاحظة أن فرنسيس بيكون قد سبقه إليه، ننتهي إلى أن مل لم يأت البتة بأي شيء جديد لم يقله أحد من قبله.
ويمكن أن نضيف إلى هذا أن المنهج الأساسي - أي التخلف - هو في جوهره قياس شرطي منفصل، يتخذ الصورة:
علة «س» إما أن تكون «أ» أو «ب» أو «ج».
لكن علة «س» ليست «ب» أو «ج».
لكن علة «س» هي «أ».
64
بالإضافة إلى أنه يمكن إثبات المقدمة الصغرى في هذا القياس بأقيسة شرطية متصلة؛ مما يجعل موقف مل محرجا؛
65
لأنه لم يقدم منهجه إلا لدحض القياس الأرسطي كمنهج، والآن هذا الدحض سوف يعني بدوره دحض منهج الاختلاف؛ مما يؤدي إلى دحض بقية مناهج مل.
الحق أن هذا النقد فيه شيء من السفسطة؛ لأن القياس الأرسطي يدور حول قوانين الفكر الصورية؛ لذلك من السهل جدا إثبات دخوله بطريقة أو بأخرى في شتى أنواع الاستدلال.