تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38

وإن كان ناليموف قد وجه إلى نظرية بوبر الاحتمالية نقدا قويا مؤداه أن بوبر يعبر عن فكرة خطيرة جدا بدون قدر كاف من الدقة، ومن هنا يأتي احتمال فهمها الخاطئ، والمسألة الأساسية هي أنه لا يجوز التحدث عن احتمال حادث إلا عندما نبين مكان حدوث الحوادث الأولية بدون غموض.

39

غير أن الربط السليم لنظرية بوبر الثورية لا يكون بنظريته الاحتمالية، بل بنظريته التطورية - أي داروينيته المنهجية - فبوبر يجعل الفروض تتنازع من أجل البقاء، ويرفض أن يعطي العالم الدور السلبي اللاماركي، الذي يجعله فقط يتلقى مؤثرات البيئة عليه، بل يعطيه دورا داروينيا إيجابيا، فهو يتحدى البيئة ويفرض عليها تصوراته، إنه يغير ويبدل، كما يفعل الكائن الحي في نظرية دارون؛

40 ⋆

لذلك كانت هذه النظرية الداروينية هي التي تبرز طابع العلم الثوري، ويمكن أن نجد تأكيدا لارتباط التطورية بالثورية في بعد آخر هو مجال الفكر السوسيولوجي وتطور الأيديولوجية السياسية، مع و. ف. ورثيم

W. F. Wertheism (1907م-؟)، فهو في كتابه (التطور والثورة

Evolution and Revolution ) يرفض الاتجاه الذي يقبل الثبات والتوازن كقواعد

norms

للمجتمع، ويرى أن التغيرات التطورية التدريجية، هي قواعد العمليات الاجتماعية، والثورات هي ببساطة إسراع للخطا التطورية؛ فالتطورية الثورية هي المفجرة للموجات التحررية الاجتماعية،

41

وأيضا التطورية البوبرية التكذيبية هي المفجرة لتقدم العلم، إذ تجعله ثوريا. (5) وبعد، فإذا نظرنا إلى العلوم في سلم تقدمها الشائع حسب درجة عموميتها، فبصرف النظر عن العلوم الصورية وقصره على العلوم الإخبارية، نجد الفيزياء البحتة على رأس سلم التقدم ومن بعدها تأتي الكيمياء ثم علوم الحياة، وبعد نهاية سلم العلوم الطبيعية تأتي العلوم الإنسانية، وفي مقدمتها الاقتصاد وفي مؤخرتها علم النفس ثم علم الاجتماع، وجدنا أن أكثر العلوم تقدما هي أكثرها قابلية للتكذيب؛ لأنها أكثرها عمومية ودقة وأبسطها، ونظرياتها هي النظريات الأقل أبعادا، وأقلها تقدما هو أقلها قابلية للتكذيب،

42 ⋆

معيار القابلية للتكذيب يميز العلم؛ لأنه معيار تقدم العلم، والعلم هو النشاط الإنساني الوحيد ذو الطبيعة التقدمية التي لا تخطئها أية عين، ولا يختلف عليها اثنان،

43 ⋆

وذلك تبعا للمعايير الموضوعية المنطقية، وعلى رأسها معيار القابلية للتكذيب. (2) مناقشة انتقادات معيار القابلية للتكذيب (1) معيار القابلية للتكذيب، شأنه شأن أية فكرة فلسفية، لا بد له من اجتياز مواجهات عسيرة، حقا ليست بالوقائع التجريبية التي ينفرد بمواجهتها العلم، لكن بما هو أقسى: اعتراضات دارسي الفلسفة القوية، وانتقادات الفلاسفة الدقيقة، في هذا القسم من الفصل سنناقش النقد الذي أثير في وجه المعيار، ومن الأفضل أن نخص الفقرة الثانية لمناقشة النقد المتعلق ببنية المعيار ذاته، أما بقية الفقرات فستنفرد كل منها بعرض نقد أثاره باحث معين.

44 ⋆ (2): (أ) من أهم الاعتراضات التي قابلت المعيار - خصوصا بعد ازدهار الميكانيكا الإحصائية - اعتراض يتعلق بالقضايا التي تدور حول الاحتمالية بمعنى التكرار

Frequency

وهو كالآتي: على الرغم من أن عبارات الاحتمالية تلعب الآن دورا هاما في العلم، فإنها تبدو غير قابلة للتفنيد،

45

فليست هناك متتالية محددة أو متناهية

finite Sequence

46

من «أ»، ولا تنشأ «ب» عن أي منها، ويمكن أن تفند بصورة منطقية حاسمة القضية الاحتمالية القائلة لو معظم حالات «أ» ينشأ عنها «ب»، مثلا ليست هناك أية قضية محددة مثل القضية «السماء لم تمطر في بورسعيد مساء السبت.» يمكن أن تفند بصورة منطقية الفرض العلمي القائل: إن احتمال أن تمطر السماء في بورسعيد مساء السبت له القيمة «ن».

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٢١٠