تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28

ومن المهم أيضا أن نقارن بين نظرية بوبر وبين نظرية توماس كون

Thomas Kuhn

فهو فيلسوف العلم الثاني المعاصر بعد بوبر، وهو من أهم من عنوا بتفسير التقدم العلمي وقد طرح نظريته في كتابه الشهير «بنية الثورات العلمية»، «وهي نظرية تتضمن عناصر من كل النظريتين الثورية والجدلية.»

29

وتقوم أساسا على التمييز في تقدم العلم بين: تقدم العلم العادي

normal Science ، وبين المراحل الثورية في هذا التقدم،

30

تقدم العلم العادي يحدث داخل إطار النموذج القياسي للعلم

Scientific Paradigm ، الذي يقبله المجتمع العلمي، كبناء علمنا اليوم، فهو الإنجازات العلمية المقبولة عالميا، والتي تعطي أنماط المشاكل وحلولها لجمهرة المشتغلين بالعلم، وتقدم العلم العادي يسير داخل إطار هذا النموذج،

31

فالعالم العادي لا يبدأ عمله بالبحث في النظرية الأساسية للنسق العلمي، أو محاولة الثورة عليها، كما أنه لا يهتم باختبارها، وظهور مثال معارض للنظرية لا يعامل مباشرة كتفنيد للنسق، فربما عالجناه بفرض مساعد،

32

فنمو العلم العادي يسير من خلال عملية التلقيح المعرفي لمحتوى هذا الأنموذج، أي النظريات سواء كوقائع أو كعلاقات بين النظريات أو كحسابات دقيقة وتنبؤات، وتنقيح الإضافات التي تلحق بالنسق وتنقيح تطبيقاته، وعملية التنقيح هذه تأخذ طابع حل المتاهات

Puzzle Solving ، وخلال حلها تثار مشاكل جديدة في حاجة إلى الحل، بعبارة أخرى: العلم العادي هو حل المتاهات من خلال تنقيح النظريات الموجودة بالفعل،

33

وكل هذا داخل إطار النموذج القياسي للبناء العلمي، وقد استعمل كون مفهوم المستويات المختلفة للعمومية، وقد ميز على وجه الخصوص بين النماذج القياسية الميتافيزيقية (وهي النظرة العامة

Outlook )، وبين النماذج القياسية السوسيولوجية كمجموعة العادات العلمية، وبين النموذج القياسي المصنوع أو المبني لحل المشاكل العلمية،

34

والمهم أن العلم العادي ينمو داخل إطار النموذج القياسي، بمعنى أن الفرض المتطور فيه يتحول من ، أما في مرحلة العلم الثوري، فإن الإطار نفسه يتحطم ويحل محله نموذج ذو أطر مختلفة، فيتحول الفرض من .

35

إذن ما يميز العلم الثوري، هو أن الأول يتحرك داخل النموذج القياسي، بينما الثاني يحطمه ويحل محله نموذجا آخر، وهو علائم بارزة في تاريخ العلم، من هنا يكون الخلاف بين بوبر وكون، هو أن بوبر يجعل الثورة يومية دائمة، وليس هناك علم عادي في نظرية بوبر، ولم ير بريان ماجي تعارضا ملحوظا بينهما وقال: إن كل ما في الأمر هو أن بوبر لا يعالج إلا منطق العلم، بينما يدخل كون في اعتباره سوسيولوجية العلم وسيكولوجيته وعوامل أخرى،

36

غير أن هذا التأويل تزكية لرأي بوبر، أما بوليكاروف فإنه يوضح ببساطة أن أهم نقد لرأي كون هو أن كل تقدم علمي له طابع ثوري، وأننا نستطيع أن نؤكد على الحالات التي لا نجد فيها شيئا مشتركا ولا خط استمرارية بين النماذج القياسية المختلفة،

37

أي فقط يعترض بوليكاروف على رأي كون بتأكيد رأي بوبر.

ومن ناحية أخرى لاقت نظرية بوبر الثورية استصوابا كبيرا من ناليموف، والجدير بالذكر أنه ربطها بما يدعو إليه التكذيب من البحث عن النظرية ذات أقل درجة من الاحتمالية؛ فقد رأى بوبر أن «النظرية الثورية الجديدة، تظهر عادة في الميدان الفكري الذي نشأت فيه النظرية السابقة التي تختلف اختلافا جوهريا عن النظرية الجديدة، وإذا قدرنا احتمال النظرية الجديدة في مكان القضايا التي تضمنها النظرية السابقة، وجدنا أن احتمالها يكون ضئيلا جدا، ويزداد هذا الاحتمال ضآلة كلما ازداد الطابع الثوري للنظرية الجديدة، وإذا تتبعنا مصير التطور العلمي وجدنا أن الفرضيات العلمية المثمرة، وأرجاها للقبول تثير وقت ظهورها معارضة جنونية في الدوائر العلمية مما يعني أن احتمالها ضئيل في نظر المفكرين.»

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٢٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٢٠٩