88
لكن الذي يهمنا الآن أنه قانون عام، لكن وضع أصلا لتفسير حدث واحد منفرد هو انقسام بولندا عام 1772م، والقوانين العمومية المستخدمة في مختلف التفسيرات التاريخية لا ترتكن في مجموعها إلى مبدأ موحد، فليس هناك وجهة للنظر في علم التاريخ، وفي أحوال محددة جدا نتوصل إلى مثل هذه الوجهة بتحديد معنى للتاريخ وقصره على جانب واحد، كأن نقول التاريخ العسكري أو تاريخ التكنولوجيا أو تاريخ الرياضيات ، وبعض وجهات النظر نتوصل إليها بأفكار عمومية مسبقة تماثل القوانين الكلية، لكنها تفتقر إلى المبررات والأسانيد العقلية الكافية، كأن نقول: إن المهم في التاريخ هو «الرجل العظيم» أو «المبدأ الأخلاقي» أو «الظروف الدينية».
89
ومثل هذه النظريات التاريخية - ويفضل بوبر أن يسميها أشباه نظريات
quasi theories
90 ⋆ - تختلف في خصائصها تماما عن النظريات العلمية القابلة للتكذيب؛ لأن وقائع التاريخ الموجودة لدينا محدودة لا يمكن أن تعاد أو أن ننجزها كما نشاء؛ أي لا يمكن اختبار النظرية التاريخية، خصوصا وأن هذه الوقائع نفسها قد جمعت تبعا لوجهة نظر سالفة، فمصادر التاريخ لا تحتوي إلا على الوقائع الملائمة لنظرية سالفة، هي نظرية المؤرخ الذي أرخها، وطالما أنه ليس هناك أية وقائع أكثر متاحة لنا، فيستحيل إذن أن نختبر تلك النظرية السالفة أو أن نحاول تكذيبها.
91
على هذا يستحيل أن يكون التاريخ علما؛ لأنه يستحيل أن يضع نظريات قابلة للاختبار والتكذيب؛ لذلك فبوبر يطلق على النظريات التاريخية، كمقابل متميز للنظريات العلمية اسم تأويلات
Interpretations ، فالقاعدة هي أنه لا يمكن التوصل إلى نظرية قابلة للتكذيب، ويمكن لوقائع تاريخية معينة أن تلائم تأويلات عدة، لكن من المستحيل الحصول على وقائع ومعطيات أكثر تمثل تجربة فاصلة كتلك التي تكذب النظريات الفيزيائية مثل نظريات كبلر أو نيوتن، فالمؤرخ يرى أن الوقائع تناسب تأويله هو فقط؛ لذلك لا يمكن أن نقول إن الوقائع التاريخية التي أوردها المؤرخ هي دليل يؤيد نظريته، حتى ولو كنا لا نملك أية وقائع سواها؛ لأن هذا دوران منطقي، فهو لم يجمع إلا الوقائع التي تكون جديرة بالجمع تبعا لنظرياته، وقد يتبنى مفكر تأويلا يقول: إن التاريخ يسير نحو مزيد من الحرية ويتخذ من تحرير العبيد تأييدا لنظريته، وقد يتبنى مفكر آخر تأويلا آخر يقول: إن التاريخ يسير نحو مزيد من العبودية، ويتخذ من التفرقة العنصرية تأييدا لنظريته، وهذان التاريخان لا يتنازعان بل هما مكملان لبعضهما، فهما تاريخ منطقة واحدة هي الولايات المتحدة الأمريكية، فقط منظورا إليه من زاويتين مختلفتين،
92 ⋆
وليس هناك أي تأويل حاسم ونهائي؛ لأن التاريخ ليس له أي معنى محدد، ويؤكد بوبر بشدة على أن التاريخ ليس له أي معنى محدد.
93
وهذا لا يضرنا، بل إنه يفيدنا كثيرا؛ لأن كل جيل له مشاكله واهتماماته وطموحاته الخاصة؛ وبالتالي يجب أن يكون له الحق في أن ينظر إلى التاريخ ويعيد تأويله بأسلوبه الخاص، المكمل لأساليب الأجيال السابقة، فالتاريخ ليس له معنى، لكن يمكن أن نجعل له معنى، مثلا معنى يمثل القيم العليا والدروس المستفادة وهو ليس له نهاية، ولكن يمكن أن نفرض عليه نهايات وغايات هي الطموح والأهداف المنشودة، فمثلا يمكن أن نؤول تاريخ القوة العسكرية على أنه الحرب من أجل المجتمع المفتوح ومن أجل تحرير العقل ومن أجل الحرية والعدالة والمساواة، ومن أجل التحكم في الجرائم الدولية،
94
أي الحروب.
ويؤكد بوبر أننا ندرس التاريخ أصلا؛ لأننا نهتم به ونريد أن نتعلم منه شيئا عن مشاكلنا، والتاريخ لا يمكن أن يؤدي هذين الغرضين إلا إذا كان محكوما بتأويل موضوعي نعرض في ضوئه المشاكل التاريخية من منظورنا الخاص، فنحن ملزمون بمثل هذا العرض لنرى اتصال مشاكلنا بالماضي ومسارها عبر التاريخ، لنرى إمكان تسييرها نحو التقدم، والتأويل هو الذي يتحدث عن نفسه، ويوضح مميزاته ومدى خصوبته وقدرته على توضيح وقائع التاريخ، وتوضيح المواضع التي يهتم بها؛ وبالتالي قدرته على توضيح مشاكلنا اليوم، ولما كنا حتى في الفيزياء، بكل رصيدها الضخم المتنوع من الوقائع، نحتاج مرة ثانية لوقائع جديدة كي نختبر نظرية قديمة، أصبح من الواضح استحالة التوصل إلى تأويل واحد لوقائع تاريخية معينة ومحددة سلفا، لكن ليست كل التأويلات التاريخية على قدم المساواة، فهناك تأويلات لا تتفق مع السجلات المقبولة، وهناك تأويلات تحتاج إلى كثير من الفروض المساعدة كي تتفادى التكذيب بواسطة السجلات الموجودة، كما أن هناك تأويلات تكون قادرة على ربط وشرح عدد أكبر من الوقائع التاريخية، وهي بذلك تكون تأويلات أفضل، وعلى هذه الأسس - التي تكون الصورة العامة المبهمة لقواعد معيار القابلية للتكذيب الدقيقة الحاسمة - يمكن أن نحقق تقدما في ميدان التأويل التاريخي وإن كان لا يمكن أن نجعله علما قابلا للتكذيب.