تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

84

ويقول بوبر: إن السبب الأساسي في هذا هو عقم المذهب التاريخي الذي اتبعه ماركس؛ لذلك يمكن أن نقول: إن معيار القابلية للتكذيب، ها هو ذا يقدم حجة جديدة تضاف إلى حجج بوبر الكثيرة على عقم المذهب التاريخي، وقبل هذا يقدم أقوى وأهم نقد للماركسية قدم حتى الآن، كما يعترف الماركسيون المتطرفون أنفسهم، فقد أصبح من الواضح الآن أن بوبر على حق تماما حين يسم النظرية الماركسية بأنها عقيدة دوجماطيقية مقواة

Reinforced Dogmatism ؛ فقد كانت علمية غير أن كذبها قد ثبت، والتكذيب يرمي إلى استئصال النظريات الكاذبة ونبذها باكتشاف مواضع الخطأ والضعف فيها،

85

غير أن المأخوذين بها لم يستأصلوها أو ينبذوها، بل أبوا الاعتراف بكذبها المبرهن بمنطق العلم، وصمموا على استمرار الأخذ بها، مخالفين بذلك منطق العلم وأيضا منهجه؛ إذ أعادوا شرح كل من النظرية والدليل ليجعلوهما متوافقين معا، بحيث تصبح النظرية غير قابلة للتكذيب - أي لا علمية - والماركسي الآن لا يمكنه أن يفتح جريدة دون أن يجد في كل صفحة منها دلائل تؤكد تفسيره للتاريخ ليس في الأخبار فحسب، بل وفي أسلوب عرض الأخبار الذي يكشف عن التحامل الطبقي للمحررين، ويبدو هذا فيما لم تقله الجريدة بالطبع، والنظرية بهذا ينهال عليها سيل لا ينقطع من التأكيدات، ومن يرفضها فهو يفعل ذلك لأنه ضد مصالح طبقية، والنظرية الماركسية بكل هذا فقدت سمتها العلمية،

86

وأصبحت دوجماطيقية تماثل التفكير العصابي.

إن الماركسية - بما هي علمية - نظرية كاذبة، وإذا شاء أنصارها فيمكنهم الانصراف عن العلم وعن السمة العلمية، وحينئذ لن يستطيع معيار القابلية للتكذيب التطاول على نظريتهم، وسيسقط كل النقد السابق، وسنعتبرها نظرية فلسفية، مجرد تأويل للتاريخ وتصور يوتوبي لمستقبل البشرية، ولا تنطوي على علاقة ضرورية منطقية بالواقع؛ وبالتالي لا تنطوي على أي إلزام بالأخذ بها كي نفهم هذا الواقع، وتصبح فقط محلا للنقاش الفلسفي النقدي، غير أن أتباع الماركسية لا يصممون على الأخذ بها فحسب، بل وعلى الأخذ بها بوصفها نظرية علمية وصادقة، بل وإنها النظرية العلمية التاريخية الوحيدة - والتي تحوي جماع التناول العلمي للتاريخ - إنها بحق أصبحت عقيدة دوجماطيقية مقواة. (6) في التاريخ والعلوم الاجتماعية (1) والآن، لقد كانت النظرية الماركسية محاولة لعلمنة التاريخ ولم تنجح، لعلها نجحت في أن تكون أقدر نظرية فلسفية طرحت حتى الآن؛ لوضع أيديولوجية عامة للنظام الاشتراكي، ولعلها النظرية الفلسفية الوحيدة التي خرجت إلى عالم التطبيق الفعلي، ولعلها قادرة على تزكية الأمل في اليوتوبيا الموعودة للكادحين؛ حيث لا يقدم البروليتاري إلا ما يستطيعه في الوقت الذي يجد فيه كل ما يريده، ولكنها لم تنجح في وضع نظرية علمية للتاريخ كما أثبت معيار القابلية للتكذيب، فهل هذا المعيار يعني استحالة وضع نظرية علمية في التاريخ أصلا؟ الواقع أن بوبر يجيب على هذا التساؤل بالإيجاب، ويصر أن مبحث التاريخ لا يمكن إطلاقا أن يكون علما. (2) فحقا أن المعيار قد أوضح أن عالم العلوم الطبيعية يضع الفرض من عنده، ثم يحاول أن يفسر في ضوئه الوقائع، وحقا أيضا أن بوبر يصر على أن الأمر هكذا تماما في العلوم التاريخية، فالمؤرخ يضع الفرض من عنده ليؤول في ضوئه الأحداث التاريخية، غير أن هناك اختلافا كبيرا بين طبيعة العلمين؛ وبالتالي بين طبيعة الفرضين.

87

فموضوع علم التاريخ أحداث منفردة نهتم بأسبابها وبتفسيرها وبنتائجها، وهي بهذا تناقض العلوم الطبيعية والبيولوجية، فهي علوم تعميمية لا تهتم بأية أحداث مفردة، بل بالقوانين العامة الكلية التي تحكمها، وكلما تقدمت هذه العلوم سارت أكثر نحو السمة العمومية، حتى تجد نظريات العلوم البحتة التي تهدف إلى توحيد العلوم نفسها وليس فقط الوقائع، والتاريخ يماثل هذه العلوم في أنه يفترض ضمنا قانونا عاما، ولكنه يختلف عنها في أنه يحاول أن يفسر في ضوئه الحدث المنفرد المطروح للدراسة، فإذا فسرنا مثلا أول انقسام لبولندا عام 1772م؛ لأنها لم تكن لتستطيع أن تقاوم قوة اتحاد روسيا وبروسيا والنمسا، فإننا في هذا نفترض ضمنا القانون العام في جيشين متساويين تماما في جودة التسليح والقيادة، إذا امتاز أحدهما في عدد الرجال، فلن يفوز الآخر، وهو قانون يمكن أن نصفه بأنه قانون في سوسيولوجية القوة الحربية، وإن كان غير ذي أهمية كبيرة لعلم الاجتماع،

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٢٠١