وقد فعل ذلك هيلاري باتنام؛ فقد أوضح أن نظرية نيوتن تتكون من القانون القائل: إن كل جسم «وليكن «أ»» يؤثر على كل جسم «وليكن «ب»» بقوة «ق»؛ أي «ق أ ب» تتجه نحو «أ» وشدتها معامل ثابت عام هو «ج»، هذا مع قوانين نيوتن الثلاثة للحركة، وهي القوانين الأساسية التي تقوم عليها الفيزياء الكلاسيكية، أي: (1)
يظل كل جسم على حالته من الحركة أو السكون، ما لم يؤثر عليه مؤثر خارجي. (2)
تتعادل قوة الدفع (أو كمية الحركة
momentum ) التي تلزم لتحريك أي جسم مع القوة الواقعة عليه، وتكون في نفس اتجاه هذه القوة . (3)
لكل فعل رد فعل معاكس له في الاتجاه ومساو له في المقدار.
8
والآن فإن هذه النظرية لا تتضمن أية عبارات أساسية مفردة، وأية حركة مهما كانت لا بد وأن تكون متوافقة مع النظرية، طالما أنها لا تقول شيئا عن أية قوى بخلاف الجاذبية، وهذه القوة «ق أ ب» لا يمكن قياسها هي ذاتها؛ وبالتالي لا يمكن استنباط تنبؤات مفردة من النظرية، وكل ما نفعله حين نطبق النظرية على موقف فلكي هو أن نقوم ببعض الافتراضات المبسطة، هي تقديرات أولية تخدمنا كعبارات مساعدة، مثلا لو حاولنا استنباط مدار الأرض فإننا نضع الافتراضات الآتية: (1)
لا توجد أية أجسام بخلاف الأرض والشمس. (2)
الأرض والشمس موجودتان في فراغ صارم. (3)
لا تتعرض الأرض والشمس لأية قوى بخلاف قوة الجاذبية المتبادلة بينهما.
9
ومن ربط نظرية الجاذبية العامة مع هذه العبارات المساعدة، يمكن بالفعل أن نستنبط تنبؤات معينة، على سبيل المثال نستنبط قوانين كبلر، ولو حاولنا جعل العبارات المساعدة 1، 2، 3 أكثر واقعية، مثلا بأن تدخل فيها بقية أجزاء النظام الشمس، يمكن أن نحصل على تنبؤات أدق والعبارات المساعدة يمكن أن توضع بصورة أكثر حذرا لتتفادى أي اعتراض بأنها كاذبة، غير أننا لا نستعملها إلا ضمنا ولا ننص عليها إطلاقا، وحساب نيوتن لقوانين كبلر لا تجعل من تلك العبارات المساعدة أكثر من مجرد إشارة سببية إلى ما يحدث، والعلماء بصفة عامة لا يهتمون كثيرا بهذه العبارات المساعدة، والاهتمام العظيم الذي يوليه العالم لبناء النظرية، يناقض اللامبالاة التي يقدم بها العبارات المساعدة، هذا على الرغم من أن العبارات المساعدة قابلة هي الأخرى للمراجعة ربما أكثر من النظرية، وبعد هذا لا يفوت باتنام التنويه إلى أن التنبؤات لا يمكن أن تأتي من النظرية بمفردها، ولكن من الضروري جدا مساعدة تلك العبارات المساعدة وأيضا العبارات الأساسية.
10
وينتهي باتنام إلى أن نظرية الجاذبية العامة ظلت لأكثر من قرنين من الزمان مقبولة كحقيقة قاطعة لا تقبل شكا ولا جدلا، وإذا ناقضت عبارات أساسية النظرية، فإننا نرفض أو نعدل العبارات المساعدة وليس أبدا النظرية، والمثال الواضح على هذا أن العلماء حين تنبئوا بمدار كوكب أورانوس على أساس نظرية الجاذبية العامة، وافتراض أن جميع الكواكب هي تلك التي كانت معروفة آنذاك، كعبارة مساعدة، حدث بعض الانحرافات البسيطة في مدار أورانوس عما تنبأ به العلماء، على هذا تنبأ لافيري
Leverrier
في فرنسا آدم
Adam
في إنجلترا بضرورة وجود كوكب آخر كي يفسر هذه الانحرافات البسيطة، وبعد سنوات عديدة تم اكتشاف هذا الكوكب بالفعل، إنه كوكب نبتون، واكتشاف هذا الكوكب يمثل تفنيدا لنظرية نيوتن التي لا تتضمنه، لكن العلماء لم يتفادوا هذا التفنيد بأن غيروا النظرية، بل بتغيير الفروض المساعدة، وقد يقال: إن الأمر الحاسم هو أن نبتون قابل للملاحظة، غير أن باتنام يجيب على هذا بأن الأمر ليس كذلك فهناك نجوم معينة تعرض لسلوك غير منتظم، ويحل العلماء هذا اللغز عن طريق طرح مصادرة وجود تابع، فإذا لم يروا هذه التوابع في التلسكوب يحلون الأمر بمصادرة وجود تابع مظلم لا يمكن رؤيته، والواقع أن معظم فروض العلم لا يمكن اختبارها مباشرة وهناك توابع كثيرة مظلمة في نظريات العلم.