2
وبالطبع لو أدخلنا هذه النظرية في عملية مقارنة درجة قابليتها للتكذيب بالنسبة للنظريات العلمية الفلكية التي توصلنا إليها الآن؛ أي لو قارناها على أساس علاقات القابلية للاشتقاق والفئة الفرعية وأبعاد النظرية والبساطة، لكانت درجة قابليتها للتكذيب منخفضة للغاية.
ولكنها على أية حال نظرية قابلة للتكذيب أصلا فهي علمية، إنها اقتراح وجهة نظر إلى الكون جريئة وجديدة أسهمت إسهاما عظيما في تقدم العلم الحديث.
3 (3) أما مع كبلر، فنجد نظرية ذات قابلية للتكذيب أعلى، فقد مضى إلى ما هو أبعد، كان لكبلر نظرية ميتافيزيقية قائمة إلى حد كبير على نظرية كوبرنيقوس بأن الأرض وجميع الكواكب تدور حول الشمس في مدارات دائرية، غير أن وجهة نظره تأدت به إلى عديد من التنبؤات التفصيلية الجديدة عن المظاهر البادية، وفي البداية لم تنطبق تنبؤات على الملاحظات، فحاول أن يعيد تأويل الملاحظات ودفعه تحمسه في البحث عن الحقيقة إلى ترك بعض نظرياتها المفضلة، أي التصور الدائري لمسار الأفلاك، فقد كان الرأي السائد - بتأثير أرسطو - هو أن الحركة الدائرية أكمل الأشكال؛ وبالتالي لا بد وأن تكون حركة الأجسام العلوية دائرية،
4
ترك كبلر هذا الفرض وتوصل إلى فرضه الرائع، فرض المدار البيضاوي أو الإهليجي لمسار الأفلاك، وفي النهاية خرج بقوانينه الثلاثة العظيمة، التي حلت إلى حد ما مشكلة الحركة في نطاق علم الأفلاك، وهي: (1)
كل كوكب يدور حول الشمس في فلك بيضاوي تقع الشمس في إحدى بؤرتيه. (2)
نصف قطر الموجة
Radius vector
بين الشمس والكوكب، يقطع مساحات متساوية في الأزمنة المتساوية. (3)
يتناسب مربع سنة أي كوكب تناسبا طرديا مع مكعب متوسط المسافة بينه وبين الشمس.
5
هذه القوانين تمثل اقترابا تقديريا
approximation
جيدا من الصدق، وإن كانت ليست صادقة تماما كأية قوانين علمية، بل وإننا توصلنا إلى مواطن الكذب فيها، غير أنها قابلة للاختبار والتكذيب، وقد اختبرت في ضوء نظريات نيوتن وآينشتين التي تنبأت بانحرافات بسيطة عنها، وقوانين كبلر تبعا لنظرية نيوتن صحيحة فقط بالنسبة لحركة جسمين، وتفشل في بعض المواضع بصورة طفيفة لو أخذناها كقوانين لحركة مجموعة من الأفلاك وهذه هي التجربة الفاصلة ضد كبلر ، بسيطة وطفيفة لكنها واضحة بما يكفي،
6
لإثبات أن نظريته علمية بلا جدال. (4) وبالطبع نظرية نيوتن بقوانينها الثلاث تمثل نظرية علمية على الأصالة وبما لا يدع مجالا للشرح، فيمكن منها أن تستنبط القوانين التي تحكم حركة أية أجسام طالما لها سرعات معينة، وإذا لم تتحرك الأجسام على النحو الذي تنبأت به النظرية فإن هذا سيمثل تفنيدا لها، وحقا أن جميع الأجسام في الماكروكوزم - حتى الآن - تتحرك تبعا لها، غير أن إمكانية التكذيب المنطقية قائمة فيها على أية حال، خصوصا أننا نسلم في فلسفة العلم المحدثة بأنه ليس ثمة ما يمنع الأجسام من أن تغير قوانين حركتها، ثم إن النظرية قد تعرضت لتجربة فاصلة واجتازتها، بل لتجارب كثيرة فاصلة واجتازتها؛ فقد وضعت أكثر التنبؤات تفصيلا لأنواع جديدة من المؤثرات كالانحرافات عن قوانين كبلر، وكانت هذه التنبؤات تقف في وجه أقسى الاختبارات وكان أعظم نجاح للنظرية هو اكتشاف كوكب نبتون؛ فقد حول تهديدا بالهزيمة إلى انتصار، وتنبأت النظرية بضرورة وجود جسم آخر، وبعد هذا التنبؤ بسنوات، تم اكتشاف كوكب نبتون بالفعل.
7
ورغم هذا فقد أثارت قابلية نظرية نيوتن للتكذيب جدلا، خصوصا فيما يتعلق باكتشاف كوكب نبتون، ربما لأن الاستقرائيين يصورون فيها حصنا منيعا لهم، ولما كان معيار القابلية للتكذيب أساس نظرية بوبر المقوضة لاستقرائهم، فقد حاولوا تقويض المعيار عن طريق نفي انطباقه على واحدة من أهم النظريات العلمية، إن لم تكن أهمها.