27
وربما كان هذا هو المنطلق، الذي قال منه ول ديورانت عن بيكون: إنه من أول المبشرين بأحدث العلوم؛ السلوكية في علم النفس، وعلم النفس الاجتماعي.
بل وإنه - أي بيكون - أحد مؤسسي علم مناهج البحث، أي فلسفة العلوم؛ إذ توصل في نهاية بحثه إلى أن العلم في حد ذاته لا يكفي، حيث ينبغي إيجاد قوة ونظام خارج العلوم لتنسيقها وتوجيهها إلى هدف، فالعلوم تحتاج إلى الفلسفة لتحليل الطريقة العلمية؛ أي المنهج وتنسيق الأهداف والنتائج العلمية. وكل علم بغير هذا يكون سطحيا.
28
وبعد كل هذا لا بد وأن نسجل لبيكون بلاغة أسلوبه؛ إذ تعد أعماله من قمم النثر الإنجليزي اللاتيني. والأهم من ذلك قدرته الفائقة على تركيز العبارة، وتكثيف الأسلوب؛ بحيث لا تتسلل كلمة واحدة زائدة.
إلا أن بيكون تعرض لانتقادات شديدة، ونقد أشد، ربما لما شاب سيرته من فضائح أخلاقية؛ كالغدر بالأصدقاء وتملق ذوي السلطان، وتقاضي الرشاوى والاختلاس، وربما لأنه لم يكن عالما ولا حتى ملما بتقدم العلوم، فرغم أن العلم كان يسير بخطا حثيثة في عصره، فإنه لم يهتم بأبحاث فيساليوس
Visaliud (1514-1564م) رائد علم التشريح، ولا وليم هارفي
William Harvey (1578-1657م) مكتشف الدورة الدموية، بل ولم يرض عن أبحاث كوبرنيقوس (1473-1543م)، فهو إذن لم يعرف حق قدرها، وبخس قيمة أبحاث وليم جلبرت
William Gilbert (1544-1603م) في المغناطيسية والكهرباء، كانت ثقافة بيكون العلمية ضحلة، فلم ينتفع بمنهجه في خلق إضافة تذكر إلى تقدم العلم، ويعود ذلك أيضا إلى أنه لم يفهم الاستقراء الفهم الحديث له، أي على أنه منهج لاكتشاف القوانين الطبيعية وتعلق الظواهر الطبيعية ببعضها تعلقا عليا، بل وضعه لتحقيق غاية ميتافيزيقية أسماها تصور الطبائع البسيطة، فقد اعتقد أن ما بالكون من مركبات، إنما هي مؤلفة بدرجات متفاوتة من عدة طبائع محدودة العدد، وهذا بالطبع اعتقاد ساذج، والكون أكثر تعقيدا مما تصور بيكون،
29
هذا بالإضافة إلى أن تسليمه بالعلية كان مستمدا من فلسفة أرسطو التي أراد أن يطيح بها.
غير أن النقد قد يمتد ليشمل أصالة المنهج ذاته، فهذا توماس بابينجتون ماكولي
T. B. Macaulay (1800-1859م)، الكاتب والسياسي الإنجليزي الكبير وأشهر مؤرخي القرن التاسع عشر،
30
قال عن بيكون: إن شهرته طغت على شهرة والده الذي لم يكن شخصا عاديا، لكنه أنكر عليه كل ريادة وأصالة، وقال: إن منهجه هذا هو طريقة الناس في التفكير في كل زمان ومكان.
لكن النقد الجدير بالاعتبار حقا هو ما يشوب منهجه من نقائص خطيرة، فهو لم يفطن إلى أهمية التسلح باللغة الرياضية، في حين أن قوة العلم - لا سيما الطبيعي منه - تكمن في استخدامه لهذه اللغة، والأخطر من ذلك أنه لم يفطن إلى أهمية الفروض والنظريات، بل وحذر منها، وكان يسميها استباق الطبيعة
Anticipation of Nature
أي الإدلاء بآراء غير تجريبية، نظن أنها تفسير لما أمامنا من وقائع تجريبية، في حين أنها سر تقدم العلم إن لم تكن هي العلم نفسه. وبغير وضع الفروض واختبارها لما تمكن العالم إطلاقا من إضافة أي جديد، ولما اختلف العالم عن دارس العلم فضلا عن أن بيكون - بعد إنكار الفروض - كان هو نفسه يستخدمها ولا يدري، وإلا فكيف توصل إلى أن الحركة علة الحرارة؟ وليست الحركة هي الظاهرة التي بحثها وإنما كان يبحث ظاهرة الحرارة، ولم تكن الحركة مذكورة في أي من القوائم الثلاث؛ فالحركة اقتراح، أي فرض، لتفسير تلك القوائم،
31
بخس قيمة الفرص كان أعظم أخطاء بيكون قاطبة.
لكن كل هذا لا يبخس فضل بيكون العظيم في التنويه إلى أهمية التجربة، والتعويل عليها في اكتساب المعارف بالواقع المحيط بنا، وكان تنويها حقق مأربه العظيم في تحطيم سيطرة منطق أرسطو كمنهج، بالإضافة إلى هذا، كان منهجه رحبا مرنا، يرشد الباحث ويدله، بغير أن يقيده تقييدا ملزما، وبغير أن يدعي أنه يفضي به إلى البرهان القاطع. (5) من أبرز من صححوا أخطاء بيكون: ألفرنس كلود برنار