تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلغاء التجربة: أي طرد أو استبعاد الكيفية المراد دراستها لمعرفة أثر غيابها. (7)

تطبيق التجربة: أي استخدامها في اكتشاف ما ينفع، وهذا قريب من مفهوم التكنولوجيا. (8)

جمع التجارب: أي الزيادة في فاعلية مادة ما؛ فالجمع بينها وبين فاعلية مادة أخرى، مثل خفض درجة التجميد بالجمع بين الثلج والنطرون.

22 (9)

صدف التجربة: أي جعلها مجرد مصادفة، فهنا لا نجري التجربة للتأكيد من حقيقة، بل فقط لأنها لم تجر من قبل، ولا يعرف ماذا عسى أن ينشأ من إجرائها.

تلك هي مرحلة التجريب كما صورها بيكون، وهي - كما نرى - مجرد مجموعة من الإرشادات إن اتبعها الباحث، حقق التجارب على نحو أوفى وأكمل.

23 ⋆

ثانيا: مرحلة التسجيل

وهنا يرشد بيكون الباحث إلى الكيفية، التي يسجل بها ما يكون قد أجراه من تجارب تسجيلا تصنيفيا في ثلاث قوائم: (1)

قائمة الحضور والإثبات : ويسميها أحيانا بالقائمة الجوهر، فهنا الباحث يضع جميع الحالات التي لاحظ عن طريق التجربة أن الظاهرة أو الطبيعة البسيطة، موضوع الدراسة تتبدى فيها. (2)

قائمة الغياب أو النفي : يسجل فيها الحالات التي تغيب فيها الظاهرة أو الطبيعة البسيطة، ومن الواضح أن محاولة حصر جميع حالات غياب ظاهرة ما أمر شبه مستحيل، فضلا عن أنه نوع من العبث الذي لا يجدي، إنما المقصود «أن نأتي في مقابل كل حالة من حالات الحضور بالحالة التي لا تحدث فيها الظاهرة بالنسبة إلى هذه الحالة عينها، سواء أكانت حالة غياب واحدة أو أكثر من واحدة.»

24

فمثلا: إذا كان موضوع الدراسة هو أثر ضوء الشمس على نمو النبات، نحاول أن نعرف ماذا يحدث لهذا النبات إذا غاب عنه ضوء الشمس، لا أن نعرف جميع الأحوال التي يغيب فيها ضوء الشمس. (3)

قائمة التفاوت في الدرجة : حيث يسجل الباحث الدرجات المتفاوتة لحدوث الظاهرة أو الطبيعة البسيطة موضع الدراسة، وهنا تنويه لأهمية التكميم في العلم، لكن بصورة ضعيفة.

وقد أكد بيكون على أهمية القوائم، فيقول: إن الجزئيات والأمثلة أشبه بجيش كبير العدد مبعثر ومتفرق؛ مما قد يؤدي إلى تشتت الفكر واضطرابه، والأمل قليل في العثور على الأمثلة النافية وإذا لم تنتظم الجزئيات المتعلقة بموضوع البحث، فقد ينحرف مسار الفكر؛ ولذا فمن المفيد استخدام الوسائل الموضحة في قوائم الكشف، فعن طريقها يمكن تصنيف الجزئيات وتحديدها، وترتيب آثارها ودرجاتها؛ مما يساعد الإدراك الذي يعمل حينئذ وفقا لما تمده به هذه القوائم.

25

ومن المعروف أن بيكون قد طبق المنهج السالف على الطبيعة البسيطة؛ الحرارة، محاولا استكشاف صورتها، فانتهى إلى أن صورتها هي الحركة. (ج) تقييم

هذه خلاصة المنهج الاستقرائي، كما وضعه إمامه الرسمي فرنسيس بيكون أعظم رواد الحضارة المعاصرة، والذي يوضع في مقدمة المسئولين عن نهضة العلم.

ويقول ول ديورانت عن فلسفة بيكون: إنها كانت مشروعا عظيما، لا مثيل له في تاريخ الفكر باستثناء أرسطو؛ وهي تختلف عن كل فلسفة أخرى بالاتجاه إلى الناحية العلمية أكثر من الناحية النظرية؛ حيث تقوم على إنتاج متماسك خاص أكثر من قيامها على تناسق الفكر والتأمل، وأن المعرفة قوة، وليست نقاشا أو زينة، وليست فكرة نتمسك بها، بل عملا علينا عمله، وكان بيكون يعمل لوضع أساس، لا لمذهب أو مبدأ، ولكن لفائدة وقوة، لكل ذلك كان صوته أول نغمة جديدة للعلم الجديد.

26

فقد كان بيكون نازعا بصدق نحو الاتجاه العلمي، يرغب في التخلص من كلمة مصادفة تماما، ويحلم بمجتمع للعلماء، ينظمهم فيه التخصص، ويجمعهم التعاون والاختلاط الدائم ، على أساس نهج العلم السليم؛ الاستقراء.

وإن نظرية بيكون العلمية المتطورة واسعة بطريقة جديرة بالإعجاب حقا؛ إذ يقول في الأورجانون الجديد: «كما أن المنطق القائم الآن لا يقتصر بأقيسته على العلم الطبيعي وحده بل يشمل جميع العلوم، فمنهجنا الاستقرائي - بالمثل - يمتد لكل العلوم، فإننا نعتزم تجميع تاريخ وقوائم الاكتشافات المتعلقة بالغضب والخوف، وما شابهها، بالحياة المدنية، وبعمليات الذاكرة والتركيب والتقسيم، واتخاذ القرارات والامتناع عنها، بنفس المقدار الذي نجمع به تاريخ وقوائم الحرارة والبرودة، والضوء والنباتات وما إليها.»

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ١٦