Paradox
فلو نظرنا إلى العبارات على أنها منطق بحت فهذا يقود إلى ارتداد وإذا نظرنا إليها على أنها حس بحت، فإن هذا يقود إلى النزعة السيكولوجية، فهل نلجأ إلى الدوجماطيقية؟ المشكلة إذن خطيرة. (2) حل بوبر لمشكلة العبارات الأساسية (1) الآن كيف يتفادى بوبر هذه الأخطار الثلاثة؟ أو كيف يحل المشكلة؟
بالنسبة للدوجماطيقية فهي غير ذات شأن؛ لأن بوبر فيلسوف النقد، فبداهة لا بد أن يرفض أن قبول دوجماطيقي للعبارات، إننا بالفعل لا نخشى إلا بأس الخطرين: الارتداد بلا نهاية والنزعة السيكولوجية، إنها المحاصرة بين الوقوع في الحس البحت أو في المنطق البحت. (2) بوبر يحل هذا التناقض، مثلما حل أي تناقض شبيه في أية زاوية أخرى من زوايا منطق العلم - أي عن طريق الفصل الحاسم بين وجهة المشكلة السيكولوجي وبين وجهها المنطقي الميثودولوجي؛ إذ يجب أن نميز بين معرفتنا وخبراتنا الذاتية واعتقاداتنا وشعورنا - وهذا موضوع علم النفس، وبين العلاقات الموضوعية بين الأنساق المختلفة من العبارات العلمية، وفي داخل كل منها.
13
الملاحظة تعطينا معرفة متعلقة بالوقائع ونحن نلم بالوقائع فقط عن طريق الملاحظة، غير أن إلمامنا هذا لا يقيم صدق أية عبارة، وكما أوضح فصل «المعرفة موضوعية» لا ينبغي أن تشغل الإبستمولوجيا بتساؤلات حول أسس معرفتنا، وبدقة أكثر عن السؤال: أنا الذي أملك الخبرة «س»، كيف يمكن تبرير وصفي إياها؟ وكيف يمكن الدفاع عنها ضد أي شك؟
14
فهذا تناول سيكولوجي وموقفه ليس بالضعيف بل هو منتشر انتشار المعرفة الذاتية، فحتى وقت قريب كانت هذه النزعة مأخوذا بها في المنطق فيعتبر علم العمليات العقلية وقوانينها؛ قوانين الفكر، وتبعا لهذا الاتجاه فإن التبرير الوحيد للمنطق هو أننا لا نستطيع أن نفكر بأية طريقة أخرى، والاستدلال المنطقي ليس له أي تبرير إلا أننا خبرناه كضرورة فكرية، كشعور بأننا مجبرون على التفكير تبعا لخطوط معينة، هذا
15
الاتجاه السيكولوجي معروف في المنطق أهم أعلامه ميشيل مونتاني وهيوم وفرديناند شيلر
F. Schiller ، وهم ينكرون أي استقلال للمنطق عن علم النفس حقا،
16
هذا الاتجاه المنطقي قد أصبح من شئون الماضي، فمن المستحيل الآن أن يحاول أحد تبرير استدلال منطقي بأن يكتب على هامشه: مررت بخبرة شعور حاد باقتناعي بهذا الاستدلال،
17
لكن الأمر مختلف في فلسفة العلم حيث نجد النزعة السيكولوجية راسخة القدم وقد عبرت جمل البروتوكول عنها بقوة؛ إذ أراد كارناب أن يبني اللغة الفيزيائية أو لغة العلم الموحد عليها، بل ويسود الاعتقاد بصفة عامة بأن عبارات العلم التجريبية مؤسسة على الخبرات التي هي مدركات الحس، أي إن النزعة السيكولوجية ضعيفة في المنطق؛ لأن الجميع على وعي بها فيتجنبونها، لكنها قوية في المعرفة التجريبية، أي العلم؛ لأنها مقنعة بقناع النزعة الفيزيائية.
بالطبع ولا بد وأن يقر بوبر أنها مرفوضة في المجالين على حد سواء، فالإدراك الحسي والاعتقاد والاقتناع، والشعور بأننا مجبرون على التفكير بطريقة معينة ... كل هذه اهتمامات السيكولوجي لا الإبستمولوجي، في فصل «المعرفة موضوعية» حارب بوبر أي انشغال ذاتي في ميدان الإبستمولوجي، وفي الباب الثاني عاب على كارناب ونيوراث سيكولوجية عبارات البروتوكول، فلا بد إذن أن يرفض هذه النزعة السيكولوجية، ويؤكد على موضوعية العبارات الأساسية، ولكن كيف أكد بوبر على هذه الموضوعية وفي موقع هو مرتع خصب للنزعة السيكولوجية؟
في «منطق الكشف العلمي» أكد على موضوعيتها بإيضاح أن التساؤل الإبستمولوجي الأساسي هو: كيف يمكن اختبار العبارات العلمية بواسطة نتائجها الاستنباطية؟ أو أي نوع من النتائج ننتقيها لتكون بدورها قابلة للإخبار البين-ذاتي؟ وهذا النوع من التناول الموضوعي اللاسيكولوجي يمكن قبوله دائما حينما يكون التعامل مع عبارات منطقية وتحصيلات حاصل،