تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Essentialism

التي ترى في القانون العلمي توصلا صادقا للماهية الثابتة، ويمكن اعتبار هاتين النظريتين: الأداتية والماهوية، طرفي النقيض في محاولة فهم طبيعة القانون العلمي، ويمكن أيضا أن نأخذ بتفسير خون باسمور لنظرية بوبر بأنها اتجاه توفيقي أو محاولة لإيجاد طريق بين الأداتية والماهوية

78 ،

79 ⋆

وإنها فعلا لكذلك، فهو يأخذ من الأداتية اعتبار القانون العلمي محاولة منا ليس فيها أي شيء مطلق أو ثابت، بل قابلة دوما للتعديل والتطوير، ويأخذ من الماهوية أن القانون العلمي متعلق فعلا بحقائق الأشياء ومضمونها ومعرفتها هي ذاتها؛ ذلك أن بوبر يرى للقانون العلمي طبيعة تفسيرية، وأن هدف العلم هو التوصل لشرح مرض لكل ما نجده في حاجة إلى تفسير،

80 ،

81 ⋆

شريطة أن يكون شرحا مستوفيا لعدة شروط هي: (أ)

لا بد وأن يكون الشرح مفضيا منطقيا إلى ما يفسره على ألا يكون العكس صحيحا تجنبا للدورانات المنطقية، فمثلا: إذا تساءلنا عن تفسير لظاهرة أن البحر هائج اليوم، وكان التفسير هو أن كوكب أورانوس غاضب، ثم تساءلنا عن تفسير لغضب كوكب أورانوس، وكان التفسير هو أن البحر هائج، كان التفسير باطلا، أما لو كان التفسير باختلاف الضغط الجوي، أو فسرنا مد البحر بجذب القمر؛ لكانت تفسيرات معقولة لأنها تفضي إلى الظاهرة المفسرة، بغير أن تفضي الظاهرة المفسرة إليها. (ب)

يجب أن يكون الشرح قريبا من الصدق قدر المستطاع، أو بالأصح يجب ألا نكون قد تبينا كذبه نتيجة للاختبارات النقدية. (ج)

يجب أن يكون الشرح قابلا للاختبار بصورة مستقلة وأن يجد له أدلة مستقلة وأن نعطيه درجة قبول

satisfaction

على أساس درجة قسوة الاختبارات التي اجتازها،

82

أي درجة تعزيزه.

ومن الناحية المنطقية، ليس ثمة أي فارق بين الطبيعة التفسيرية الشارحة القانون العلمي وبين طبيعة التنبؤية الاختبارية، الفارق ليس من جهة البناء المنطقي بل من جهة الأشياء التي تعتبرها مطلوبة، والأشياء التي لا نعتبرها هكذا، فإذا كنا لا نطلب البناء وإنما نطلب الشروط الأولية أو بعض القوانين الكلية أو نطلب الشروط الأولية والقوانين الكلية معا، بقصد استنباط الأخبار المعلوم لنا منها، فنحن بصدد البحث عن تفسير شارح، وإذا اعتبرنا القوانين الكلية والشروط الأولية معلومة وليست مطلوبة واستخدمناها لمجرد استنباط الأخبار حتى نحصل على معرفة جديدة فنحن هنا بصدد التنبؤ، وإذا اعتبرنا إحدى المقدمتين أي القانون الكلي أو الشروط الأولية موضع سؤال واعتبرنا البناء أمرا نطلب مقارنته بنتائج التجربة فنحن هنا بصدد اختبار المقدمة موضع السؤال.

83

لذلك فالطبيعة التفسيرية الشارحة والطبيعة التنبؤية الاختبارية مجرد أوجه لعملة واحدة، فالشرح العلمي شرح سببي، على ألا نأخذ مفهوم السببية بمعنى مطلق، بل فقط بمعنى نسبي جدا؛ فهو يوضح أن حدثا معينا يكون علة لحدث آخر، وذلك بالنسبة لقانون عام يحكمهما، ولكن وضع شرح سببي لحدث معين يعني الاشتقاق الاستنباطي لعبارة تصف هذا الحدث مستخدمين كمقدمات للاستنباط قوانين عمومية بالإضافة إلى عبارات أساسية تمثل الشروط الأولية، على كل هذا يكون استخدام القانون العلمي في الغرض التفسيري هو الوجه الآخر لاستخدامه في الغرض التنبؤي الاختباري التكذيبي،

84

هكذا نجد فلسفة بوبر دائما متسقة مترابطة.

المهم الآن أن هذه النظرة للقانون العلمي تجعل له محتوى إخباري ولا يمكن أن يكون محض أداة خاوية، فلا بد إذن أن يرفض بوبر النظرية الأداتية التي لا تتسق مع نظرته التفسيرية الاختبارية ولا مع رأيه بأن المعرفة العلمية هي محاولة لمعرفة وقائع الطبيعة وعملياتها وإلا لما كانت قابلة للتكذيب وتصحيح الخطأ والتقدم المستمر.

85

لذلك عني بوبر بدحض آراء الاصطلاحيين، ويتلخص رده عليهم في أن هناك فروقا جوهرية وعميقة بين النظرية العلمية وبين القاعدة التكنولوجية الحسابية، وأن المذهب الأداتي يسري على القاعدة التكنولوجية لكن عاجز تماما عن أن يأخذ في الاعتبار الفارق بينها وبين النظرية العلمية البحتة، ومن هنا تنهار الأداتية لأن الفروق بينهما عميقة حقا، أميزها أن العلاقة المنطقية بين النظرية العلمية والقاعدة التكنولوجية هي علاقة لا تماثلية، وهي تختلف عن العلاقة المنطقية بين النظريات وبعضها، أو عن العلاقة المنطقية بين القواعد التكنولوجية وبعضها، وأن الأسلوب الذي نمتحن به القاعدة التكنولوجية يخالف الأسلوب الذي نختبر به النظرية العلمية، وأن المهارات التي يتطلبها تطبيق القاعدة التكنولوجية، تختلف عن المهارات التي يتطلبها البحث في الأسس النظرية لتحديد مجالاتها وإمكانيات تطبيقها.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ١٥٥